vendredi 1 juillet 2016

ولقد وجدتها

في مثل هذا الوقت من الصيف ، أكون عادة مشغولا طيلة اليوم ، إلى درجة أنني لا أفعل شيئا منذ أستيقظ وحتّى أنام ...
أحسّ أنّ وقتي كلّه مملوء بالفراغ ، إلى درجة أنّني لا يبقى لديّ الوقت كي أنظر إلى الساعة ، إذا أردت معرفة الوقت ... ،
لا شيء أفعله سوى الاسترخاء قليلا ، حتى يحين موعد الجلوس فأجلس ، ثمّ أستريح منه بالتمدّد على الأريكة أو على حاشية على الأرض ، أو على أيّ شيء يصلح للغرض ، وكلّ صغيرة وكبيرة عندي مؤجّلة إلى يوم يبعثون ، أشياء كثيرة تتربّص بي إن أنا نهضت قليلا من مقعدي أو متّكئي ، مثل قفل الباب الذي ينتظر من يصلحه ، والحاوية التي تريد أن تتشرّف بأن أوصلها إلى مستودعها ، و الستائر التي تنتظر من يقوم اعوجاجها ، و الكتب التي توزعت في كل أرجاء غرفتي لتشهد على فوضاي و قلّة حيلتي ...
الحقيقة أنني لست الوحيد في البيت الذي يقضي يومه في مثل هذا النشاط والحيويّة ، بناتي أيضا يقضين كامل اليوم منشغلات في تعمير الفراغات بمزيد من الفراغات ، يفعلن كلّ شيء في سبيل أن لا يفعلن أيّ شيء ، وحين يتعبن يملأن البيت بالشّكوى من تعب اللاشيء و سخطهنّ على هذا الوضع الخانق ، فأنصحهنّ بالراحة قليلا ، مثلي ، لكي يعدن إلى الاسترخاء بتركيز أكثر وجهد أقلّ ...
وحدها زوجتي تفسد علينا هذه النّعمة من حين لآخر ... أستغرب أحيانا ، كيف تستطيع أن تجد ما تفعله طول الوقت ، وكأن البيت الذي نعيش فيه مدينة واسعة لا نراها من حولنا ، وحدها ترى شوارعها ودكاكينها وباعتها المتجولين و أسواقها ...
أنا وبناتي أصبحنا في البيت جزءا من الأثاث ، أو أحافير على الجدران ، أو منحوتات قديمة متحجّرة ، هذا في وضع الجلوس ، وتلك في وضع الاتّكاء ، والأخرى في وضع اللاشيء.. أمام التلفاز ، أو الحاسوب ، أو الطابليت ... كل يستهلك الوقت في شأنه الأبدي
لم يعد مستغربا أن تمرّ بنا زوجتي ، فتنفض عنّا الغبار مع الأثاث ، وتنزع الرتيلاء عن شعورنا ومن أنوفنا ، فلا ننتبه إليها لشدّة ما نحن فيه من الانشغال بلا أشيائنا ...
أكاد أجزم أنّنا لولاها ، لتحوّلنا إلى هياكل عظميّة تحتلّ المنزل ، لأشهر ، دون أن نقوى على النهوض لحظة لكي يحضر أحدنا طعاما للاخرين ...
وحدها زوجتي ، تتفقّد بطوننا وتضع اللقمة في أفواهنا ونحن ذاهلون عن الدنيا ، تمسح عيوننا و تسرّح مجاري التّنفّس فينا ، تعلفنا في موعد العلف وتطمئنّ على أنّنا مازلنا على قيد الحياة ، ثمّ تتركنا على نفس الهيأة التي قلّما تتغير لساعات وساعات ...
كم أشفق عليها ، وكم أتمنى أن أساعدها .. لكنني مشغول طول الوقت ... إلى درجة أنني لا أفعل شيئا ، ولا أستطيع أن أفعل شيئا ...
 الكثير من النساء لا يعرفن أنّ الرجل يظلّ يبحث في زوجته عن أمّه ... فإذا وجدها اطمأنّ إليها بكلّ جوارحه ، ونام على ركبتيها صاغرا مستسلما مثل طفل صغير ،  وامتزجت كل أشيائها  بدمه ، وصارت الهواء الذي يتنفسه والعالم الذي يتحرك داخله ...
ولقد وجدتها ...
كم نحن مدينون إليكنّ ... أيّتها العظيمات ... 


Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire