في مثل هذا الوقت من الصيف ، أكون عادة مشغولا
طيلة اليوم ، إلى درجة أنني لا أفعل شيئا منذ أستيقظ وحتّى أنام ...
أحسّ أنّ وقتي كلّه مملوء بالفراغ ، إلى درجة
أنّني لا يبقى لديّ الوقت كي أنظر إلى الساعة ، إذا أردت معرفة الوقت ... ،
لا شيء أفعله سوى الاسترخاء قليلا ، حتى يحين
موعد الجلوس فأجلس ، ثمّ أستريح منه بالتمدّد على الأريكة أو على حاشية على الأرض ،
أو على أيّ شيء يصلح للغرض ، وكلّ صغيرة وكبيرة عندي مؤجّلة إلى يوم يبعثون ، أشياء
كثيرة تتربّص بي إن أنا نهضت قليلا من مقعدي أو متّكئي ، مثل قفل الباب الذي ينتظر
من يصلحه ، والحاوية التي تريد أن تتشرّف بأن أوصلها إلى مستودعها ، و الستائر التي
تنتظر من يقوم اعوجاجها ، و الكتب التي توزعت في كل أرجاء غرفتي لتشهد على فوضاي و
قلّة حيلتي ...
الحقيقة أنني لست الوحيد في البيت الذي يقضي
يومه في مثل هذا النشاط والحيويّة ، بناتي أيضا يقضين كامل اليوم منشغلات في تعمير
الفراغات بمزيد من الفراغات ، يفعلن كلّ شيء في سبيل أن لا يفعلن أيّ شيء ، وحين يتعبن
يملأن البيت بالشّكوى من تعب اللاشيء و سخطهنّ على هذا الوضع الخانق ، فأنصحهنّ بالراحة
قليلا ، مثلي ، لكي يعدن إلى الاسترخاء بتركيز أكثر وجهد أقلّ ...
وحدها زوجتي تفسد علينا هذه النّعمة من حين
لآخر ... أستغرب أحيانا ، كيف تستطيع أن تجد ما تفعله طول الوقت ، وكأن البيت الذي
نعيش فيه مدينة واسعة لا نراها من حولنا ، وحدها ترى شوارعها ودكاكينها وباعتها المتجولين
و أسواقها ...
أنا وبناتي أصبحنا في البيت جزءا من الأثاث
، أو أحافير على الجدران ، أو منحوتات قديمة متحجّرة ، هذا في وضع الجلوس ، وتلك في
وضع الاتّكاء ، والأخرى في وضع اللاشيء.. أمام التلفاز ، أو الحاسوب ، أو الطابليت
... كل يستهلك الوقت في شأنه الأبدي
لم يعد مستغربا أن تمرّ بنا زوجتي ، فتنفض
عنّا الغبار مع الأثاث ، وتنزع الرتيلاء عن شعورنا ومن أنوفنا ، فلا ننتبه إليها لشدّة
ما نحن فيه من الانشغال بلا أشيائنا
...
أكاد أجزم أنّنا لولاها ، لتحوّلنا إلى هياكل
عظميّة تحتلّ المنزل ، لأشهر ، دون أن نقوى على النهوض لحظة لكي يحضر أحدنا طعاما للاخرين ...
وحدها زوجتي ، تتفقّد بطوننا وتضع اللقمة في
أفواهنا ونحن ذاهلون عن الدنيا ، تمسح عيوننا و تسرّح مجاري التّنفّس فينا ، تعلفنا
في موعد العلف وتطمئنّ على أنّنا مازلنا على قيد الحياة ، ثمّ تتركنا على نفس الهيأة
التي قلّما تتغير لساعات وساعات ...
كم أشفق عليها ، وكم أتمنى أن أساعدها .. لكنني
مشغول طول الوقت ... إلى درجة أنني لا أفعل شيئا ، ولا أستطيع أن أفعل شيئا ...
الكثير
من النساء لا يعرفن أنّ الرجل يظلّ يبحث في زوجته عن أمّه ... فإذا وجدها اطمأنّ إليها
بكلّ جوارحه ، ونام على ركبتيها صاغرا مستسلما مثل طفل صغير ، وامتزجت كل أشيائها بدمه ، وصارت الهواء الذي يتنفسه والعالم الذي يتحرك
داخله ...
ولقد وجدتها
...
كم نحن مدينون إليكنّ ... أيّتها العظيمات ...
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire