lundi 20 juin 2016

في عيد الآباء... كلّ عام وأنت بألف خير يا أمّي ـ تدوينة

لم يكن لي علم بأيّة تواريخ أو "مناسبات" تخصّ الآباء، هي تمرّ دائما كالظّلال، لكنّها في السّنوات الأخيرة بدأت تأخذ مكانها بين الأعياد "الاليكترونيّة"، فلا نكاد نجد لها ذكرا خارج الفضاء الأزرق...
الفايسبوك اليوم يفاجئني بغمزة خفيفة وتهنئة بعيد الآباء...
الحقيقة أنّني دائما أستحضر قصّة سيّدنا عيسى بن مريم عليه السلام، وأقول : لماذا اختار الله أن يضرب لنا مثلا نبيّا بدون أب، ولم يختر نبيّا بدون أمّ...
الإجابة في رأيي، لا تتوقف عند الضرورات الطبيعية للحمل والإنجاب، فخلقه كان معجزة، والمعجزة تستطيع أن تتّخذ أيّ شكل آخر ولا تحتاج إلى تبريرات من عالم الممكن والواقع...
الرّسالة التي فهمتها من ذلك، وتأكّدت لي لاحقا، أنّه يمكن للإنسان أن يعيش بلا أب، لكنه لا يمكن أن يعيش بلا أمّ... أبدا
تتملّكني الغيرة أحيانا، وأدافع عن صورة الأب أمام بناتي أو أمام تلاميذي، يقول لي أحدهم : "سيّدي : الأمّ تحملك في بطنها تسعة أشهر، فأقول له : والأب يحملك في قلبه وعقله وعينيه عمرا كاملا.." فيصمت، وتغلبه البلاغة، لكنّني أظلّ أرى في عينيه تلك الظلال التي لا تريحني، ظلال الشّكّ والخجل من مجادلتي طويلا في نفس الوقت...
في داخلي تنفجر نافورة من الذّكريات تأتي من أعماق قريتي، هناك حيث كان كثير من الآباء يعتبرون أنّ دورهم في العائلة يتوقّف عند حدّ الإنفاق، لم أر أبي يوما ينزع الشّوكة من رجلي، ولا ينفخ في عيني ليطيّر شائبة عالقة من الغبار... لم أره يتفقّد غطائي ولا يسأل إن كنت قد تعشّيت أو فرحت أو حزنت أو ضربني ابن الجيران أو شتمني أو ذهبت إلى المدرسة في ذلك اليوم أو لم أذهب...
أمّي كانت بالنسبة إليّ هي يد الله الممدودة دائما بالرّحمة والحياة، أتذكّر أنّني تعلّمت التّدخين في السّجن، وتعلّمت عادةَ أن لا أفطر صباحا، وأتذكّر كيف كانت تركض خلفي كلّ صباح، وفي يدها كأس القهوة وبيضة مسلوقة مقشّرة وهي تتوسّل إليّ "يا ابني.. خذ هذه على الأقلّ... لا تذهب على ريقك، خذها.. ما تتكيّفش على الخواء..."
تتبعني نصف الطريق، حتّى تيأس منّي، فتقف لحظات تشيّعني بعينيها، ثمّ تعود حزينة منكسرة..
أمّي مازالت إلى اليوم، كلّما رأتني أحمل شيئا ثقيلا، سلّة خضر أو قارورة غاز، تقبل عليّ بكلّ إصرار "هاتها.. إنّها ثقيلة عليك.." وتظلّ تنازعني وتتشبث بها كي تنتزعها من يدي، وفي ذهنها أنه محرّم عليّ أن أتعب مادامت هي على قيد الحياة...
أتذكّر جدّتي كذلك، كانت هي سقف البيت وجدرانه... تحرث وتزرع وتحصد وتفضّ النزاعات وتستخرج الأوراق من البلدية وتنازع في المحاكم وتزورنا كلّ خميس في مبيت المعهد الثانوي..
هذه الصور، جعلتني أشعر دائما أنه لا عيد إلاّ للأمّ، لا أجد أيّ معنى في عبارة "عيد الآباء".. إنّها عبارة ثقيلة وعارية وصفيقة، وخالية من أيّ إيحاء أو حميمية...
طبعا أنا أعرف أنّ هذا موقف متطرّف وانفعالي ومبنيّ على تجربة جزئيّة ربّما، ليست جزئية تماما على كل حال، في الواقع حكايات كثيرة تدعمها قليلا أو كثيرا... أعرف كلّ ذلك، ولكنّها خواطر... مجرّد خواطر... أو لعلّها كذلك...
في عيد الآباء... كلّ عام وأنت بألف خير يا أمّي... ثمّ أمّي... ثمّ أمّي... ثمّ أبي.

لا يكفي أن يكون الحقّ معك، كي تكون على حقّ ـ تدوينة

أنا لا أعرف من المخطئ ومن المصيب ؟ عون البريد بتوزر أم عون المحكمة ؟ ...
وقد لا يهمني كثيرا أن أعرف حين تتطور الأمور بمثل ما تطوّرت إليه، لأنّ المشكلة، حينئذ، تكفّ عن كونها مشكلة فلان أو زيدان، ولا يبقى مهمّا بعد ذلك أن تعرف من الذي كان على صواب ومن الذي كان على خطإ... المشكلة تتحوّل إلى مستوى آخر، وتأخذ أبعادا غير أبعادها الأولى...
صورة الوضع اليوم هي أنّ هناك عصابة بلطجيّة، تسمّي نفسها نقابة، تريد أن تنفذ ما تراه قانونا أو حقّا أو سمّه ما تسمّيه.. بالذّراع، بالقوّة والبلطجة وارتهان مصالح الناس وتركيع الدولة...
صورة الوضع اليوم أنّنا أصبحنا في دولة مافيات نقابيّة، كل قطاع يقع في مواجهة مع جهاز من أجهزة الدّولة، يتملّح منها ويفرض قوانينه الخاصّة بوسائله الخاصّة... في الميدان.
صورة الوضع أنّنا أصبحنا بلا مؤسسات تفصل في النزاعات التي تطرأ بين مختلف مصالح الدّولة، وأصبحت الوسيلة الوحيدة لذلك هي المواطن.. الأقوى هو الذي يمسك برقبة المواطن أكثر من غيره، هو الذي يستطيع أن يوجعه أكثر من غيره، لكي يوجع به يد الحكومة (والحكومة في الحقيقة لا شيء يوجعها من هذا أو ذاك)...
لا يكفي أن يكون الحقّ معك، كي تكون على حقّ...
حين يكون معك الحقّ، وتريد أن تفرضه بغير الوسائل القانونية المشروعة، تصبح على باطل، وتصبح مجرّد بلطجيّ يريد أن يفرض إرادته على الناس بليّ الذّراع...
(هذا توضيح بسيط لبعض من قرأت لهم في مساندة العصابة النّهّابة النّقّابة)
أنتم تربّون وحشا سوف يفتك بكم جميعا، واحدا تلو آخر.

مولد وصحبو غايب ـ تدوينة

تدخل الفايسبوك فتجد " حضْبَهْ " هنا و" حضْبَهْ " هناك ، وكل حضْبَهْ لاهيهْ في ذبيحتها ...
الدكاترة العظام والأكاديميّون عندهم حضبتهم الخاصّة ، لا يجمجمون إلاّ لبعضهم ولا يعلّقون إلاّ لبعضهم حفاظا على البرستيج والكاريزما ... وحتّى إذا تدخّل مواطن " مزمّر " ليناقش طرحا أو فكرة ما ينظرون إليه من عليائهم في اشمئزاز ويستمرّون في شأنهم ، وقد لا يسلم الأمر من عبارة احتقار فسبّة فبلوك ... الشعراء عندهم حضبتهم ، في الغالب تكون حول نصّ تافه من هنا أو من هناك ، وخاصة إذا كان لأنثى ... تتقاطر الجامات والتعليقات الرديئة المتهافتة والمجاملات السمجة التي هي أقرب إلى المغازلات المقنّعة ، ... وهي حلقة مغلقة ، نفس المجموعات المدموغة بطابع ايديولوجي أو مصلحيّ  انتهازيّ مشترك تجدها هنا وهناك ، يتبادلون الجامات و النفاق اللّزج الأخضر ، والمتسلّفة مردودة ...
العشّاق يتأوّهون و يطيّرون القلوب والدموع و الأقوال المأثورة لنور و مهنّد و( ما نعرفهمش البقية .. ثقافتي في هذا الباب وقفت هنا وتجاوزتني الأحداث بسنوات ضوئية ، آما نرى في تصاورهم مبللة بالدموع والنظرات الساهمة و الهمّ الأزرق ) ... مراهقو السياسة يتجمعون في أحزاب وكنتونات افتراضيّة ليتبادلوا تحاليلهم العميقة حول كل عطسة وكل كحّة وكل ضرطة لفلان أو خيبان ... المتدينون والمتدينون المتربصون والدّواعش الناشئون اللي مازالوا يعملوا في سطاج تلقاهم شادّين قول لهذا وذاك وتلك و للاّأحد ، كي يعيدوه إلى الطريق المستقيم بالتي هي أحسن ، فإن لم ينفع فبالتي هي أسوأ ... المطلّقات أو الواقفات على أعتاب سنّ اليأس يتحلّقن حول صور الأثاث والديكور الجميل وأقفاص الطيور  و الحليّ و الأطعمة بكلّ أنواعها ، و يقضين الوقت في الحديث عن الوحدة وأيام الزمن الجميل ... الكوارجية ( هذوما ما قابل منهم حد ، لذلك لا أمرّ بهم ولا يمرّون بي )
الفلاسفة والمفكرون الكبار  ( مثل أبي يعرب وأبي عقرب  ) يقومون بغارات خاطفة من حين لآخر على كل هؤلاء مجتمعين ، ثمّ يعودون إلى قواعدهم سالمين على قمّة برج المدينة الفاضلة
ومارك يحتفل قريبا بأنّه رئيس أكبر دولة في العالم ( ولو كانت افتراضية ) سيبلغ تعداد شعبها المليارين ...
الحاصيلو ... " مولد وصحبو غايب " كما يقول العلاّمة أحمد عدويّه قدّس الله سرّه ...


jeudi 16 juin 2016

تَحِيَّــــــــــــــــــهْ .. !


كائِنًا مَنْ كنتَ يا مَنْ لاَ ترانِي ...
أَنا لاَ أَذْكُرُ مَنْ أَنتَ ولا أَعْرِفُ اِسْمَكْ ..
رَبَّما كُنتَ صديقًا مُحْتَمَلْ!
أَوْ رُبَّما كُنتَ عَدُوًّا مُخْلِصًا منذُ سِنِينَ ...
أوْ نَبِيًّا ...
أَو شَقِيًّا هامِشِيًّا ...
أَو بَطلْ .. !
لاَ شيءَ يَعنيني سوى أَنّكَ لَمْ تُلْقِ التَّحِيَّهْ !
كلُّ ما يُحزنني اليومَ، وإنْ كابَرْتُ، أَنّا ...
سوفَ نَحيا فوقها ما سوفَ نَحْيا ...
ثُمَّ نَمْضِي ...
دونَ أَنْ نُلْقِي التَّحيَّهْ .. !

دَورةٌ كامِلَهْ


حِينَ دارَ بها العُمْرُ دَورَتَهُ الْكامِلَهْ
لَمْ تَكُنْ جدَّتِي قَدْ أَتَمَّتْ شُؤونَ الْحياةِ كَما تَشْتَهِي
وَرَأيْتُ لَها سِحْنةً، لا تُبَدِّلُها سَكْرةُ الْمَوتِ، لَكنَّها ..
كانَ يَشْغَلُها ما تَبَقَّى على ساعِدِ الأَرْضِ،
مِنْ خَيْمَةِ الْعائِلَهْ !
شَخَصتْ في الْفراغِ بِعينَينِ زائِغَتينِ وقالَتْ:
 " أَنا رَاحِلَهْ! "
يَا بَنِيَّ اسْحَبُونِي بِرِفْقٍ إِلى قِبْلَتِي وَانْهَضُوا ..
رَتِّبُوا الْبَيْتَ، لاَ وَقْتَ يا فِتْيَتِي للْبُكاءِ
سَيَأْتِي الْمُعزُّونَ بَعْدَ قَلِيلٍ،
فَصُفُّوا الْكَراسِي وَلاَ تَغْفَلُوا عَنْ طعامِ الدَّجاجِ وَلاَ ..
ثُمَّ أَرْخَتْ على مَهلٍ رَأْسَها واسْتَراحتْ ..
كَنَرْجَسَةٍ ذابِلَهْ!
لَمْ أَكُنْ أَتَصوَّرُ يَومًا ..
بِأَنّهُ يُمْكِنُ أَنْ تَفْرَغَ الأَرْضُ مِنْ ظِلِّها ..
أَوْ تَطِيرَ إِلَى عالَمٍ لاَ أَراهُ!
وَكُنتُ أَظُنُّ بِأَنَّ يَديْها يَدُ اللهِ حَوْلِي
وأنَّ الْخُطَى حينَ تمْشِي ... خُطاهُ!
وكانتْ كما السِّنْدِيانةُ في ساحةِ الْبيْتِ،
لَمْ تَسْقُطِ السِّنْدِيانةُ، لكنَّها سَقَطَتْ ..
وَرَأَيْتُ على خدِّها دَمْعةً نازِلَهْ ..
جدَّتِي لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ الْموتَ وجهًا لِوَجْهٍ ..
ولاَ فَكَّرَتْ أَيْنَ يَمْضِي بِها، أَوْ لِماذا؟ ..
ولَكِنّها لَمْ تَكُنْ -رغْمَ ذلِكَ – عَنْ سَهْمِهِ غَافِلَهْ!
هِيَ تَعْرفُ أَنَّ الْحَياةَ الَّتِي لاَ تُوَرَّثُ
لَيْسَتْ سِوى بُرْهةٍ زائِلَهْ!
غابَ عَنْها الْكَثيرُونَ ..
واسْتَغْرقَتْ في معارِكِها الْحَيَويَّةِ،
مُنذُ ثمانينَ عامًا ...
تُزَوِّجُ أَبناءَها وشُوَيْهاتِها
وَتَعُدُّ فِراخَ الدَّجاجاتِ كُلَّ مَساءٍ ..
تُنِيمُ الصِّغارَ على رُكْبَتَيْها كَراهِبَةٍ،
وتُحدِّثُهُمْ عنْ حَماقاتِ آبائِهِمْ فِي سِنِيِّ الطُّفُولةِ،
تَبْكِي لأَحْزانِ جارَاتِها، وَتُخاصِمُهُنَّ بِلا سَبَبٍ ..
تتَحدَّى كَنائِنِها، وتُذكِّرُهنَّ بِلا سَببٍ
أَنَّها لاَ تَزالُ كَعادَتِها دائِمًا،
 رَبَّةَ الْبَيتِ، أُمَّ الرِّجالِ .. !
وأَنَّ لَها – رَغْمَ ما كانَ مِنْ مَكْرِهِنَّ ومِنْ كَيْدِهِنَّ –
يَدًا طائِلَهْ!
جدَّتِي أَثْخَنَتْها الْحُرُوبُ الصَّغيرَةُ، لَكِنَّها ..
رَبِحَتْ فِي النِّهايَةِ، كُلَّ الْحُرُوبِ الْكَبِيرَهْ ..
وظَلَّتْ علَى العَهْدِ
واقِفَةً في الْعراءِ بِوَجْهِ الرِّياحِ،
فَلَمْ تَقْتَلِعْ خَيْمَةَ الْعائِلَهْ !
مَرَّ ذاكَ الزّمانُ،
وَدارَ بها الْعُمْرُ دَوْرَتَهُ الْكامِلَهْ ..
هَا هِيَ الْيَومَ تَرْقُدُ بينَ يَدَيْ رَبِّها في سَلامٍ ..
تمامًا كما كانَ يبْدُو لَها عالَمُ الْمَوْتِ دَوْمًا ..
سُباتٌ عَمِيقٌ عَمِيقٌ ..
وحُلْمٌ يَطُولُ ولاَ يَنْتَهِي ...
يَرْتَقِي للسَّماءِ ..
فَتَفْتَحُ شُبَّاكَها وتُطِلُّ على البَيْتِ،
تَكْنُسُ باحَتَهُ،
وَتَرُدُّ الْغِطاءَ على الصِّبْيَة النَّائِمِينَ ..
تُدِيرُ الرَّحَى ...
وتُسَرِّحُ قبْلَ الشُّرُوقِ شُوَيْهاتِها ...
تتَفَقَّدُ قُنَّ الدَّجاجِ، وتَمخُضُ شَكْوَتَها ...
تِلْكَ كانتْ على الدَّومِ جَنَّتَها ..
في السَّماءِ أَوِ الأَرْضِ،
تَبْعُدُ يَومًا ... وتَقْرُبُ يَوْمًا، ولَكِنَّهَا ...
لَمْ تَكُنْ جَاهِلَهْ ...!
كُلُّ ما كَانَ يَعْنِيهِ سِرُّ الْحَياةِ لَها ...
هُوَ قَطْعًا فقَطْ:

خَيْمَةُ الْعائِلَهْ ! !

الْجدارُ الأَزْرقْ


( أو  ... في  دولة الفايسبوك )
هَذا الْجِدارُ،  ..
ولَسْتُ أَعْرِفُ كيْفَ أَصْبَحَ لِي رَفيقًا دائِمًا،
هذا الْجِدارُ ..
هَجَرْتُ عاداتِي إِلَيْهِ،
هَجرْتُ لَغْوَ الشَّاشَةِ الْكُبْرَى ...
وجيرَانَ النَّدامةِ،
والرُّفُوفَ الْمُثْقَلاَتِ بِأَرْخَصِ الْكُتُبِ الْحَزِينةِ،
والرِّفاقَ العاطِلِينَ الْعالِقِينَ كما الْمَسامِيرُ الْقَدِيمةُ في كَراسِيِّ الْمَقَاهِي ...
صارَ بينِي، حينَ تَرْتَعِشُ الْقُلوبُ، وبينَهُمْ ...
هذَا الْجِدارُ .. !
أَنا الْمُهاجِرُ، رَاسِفٌ في غُرْفَتِي الْمَقْرُورةِ الْعَمْياءِ،
في بيْتٍ وَطِيءٍ مُرْطِبٍ،
في شارِعٍ لا يَحْفَظُ الأَسْمَاءَ، مُزْدحِمٍ كَبيضِ النَّمْلِ،
في حيِّ الْهُنودِ السُّمْرِ، في ظَهْرِ الْمدينةِ،
في بلادٍ فوقَ خطِّ الاسْتواءِ وَ تَحْتَ خطِّ الانْحِناءِ ..
أَنا الْمُحاصَرُ والْحِصارُ،
وَمَنْ أَنا .. ؟
أَعلنْتُ ممْلَكَتِي أَنا مِنْ جِلْدِ ثَورٍ، لا حُدودَ تَحدُّها ..
واخترْتُ شَعْبِي مِنْ جمِيعِ قبائِلِ الدُّنْيَا،
بِجِنْسيَّاتِهِمْ، و لُغاتِهِمْ ..
دَرْبِي أنا الْكُوسْمُوسُ كُلُّهُ، لاَ الْمَضارِبُ وَ الدِّيارُ ..
وَمَنْ أَنا .. ؟
هذَا الْجِدارُ ...
دَمِي عليْهِ وَ شَهْوَتِي، وَ غريزَةُ الذِّئْبِ الْوَحيدِ ..
مُغَرِّدًا أَعْوِي إِذا جنَّ السُّكُونُ وأَثْلَجَتْ قَدَمايَ،
صَمتٌ حالِكٌ، وحفيفُ أَفْعًى في الْفِراشِ،
أَنُطُّ منهُ كَأَرْنَبٍ مَذْعُورةٍ،
وأَدُورُ حوْلِي خائِفًا ...
فَيكادُ يَصْعَقُنِي الدُّوارُ ..
هُنا الْجِدارُ ...
تَحُطُّ قُبَّرةٌ على بَابِي وتَنْقُرُ نَقْرَتَيْنِ ...
أَقُولُ: مَرْحَى ...! هَلْ تُرِيدِينَ الغِناءَ؟
تَقُولُ: دَثِّرْنِي!  .. أَنا مَقْرُورَةٌ جِدًّا ...
فَأَفْتَحُ مِعطَفِي الْبَالِي، وَ تَخْلعُ رِيشَها ..
وتنامُ عارِيةً إِلى أَنْ يَنْضُجَ اللّيلُ،
ويَفْضَحَها النَّهارُ!
هُنا الْجِدارُ ..
أَخُطُّ مِنْ حينٍ لآخرَ بَعْضَ أَشْعَارِي ..
وأَكْتُبُ عنْ هُمُومِ النَّاسِ،
يا نَفْسُ ارْحَمِينِي مِنْ هُمُومِ النَّاسِ ..
صِرْتُ بِلاَ أَنا ..
أَشْتاقُ نَفْسِي كُلَّما غَنَّى حَلِيمُ، وأَدْمَعَتْ عينُ السَّحابِ،
وكُلَّما ضَحِكَ الصِّغارُ!
وَمَنْ أَنا ..؟
الافْتِراضيُّ الَّذي غَنَّى مَعي ..
لكنّنِي مهما بَكَيْتُهُ لا يُكَفْكِفُ أَدْمُعِي .. !
حَوْلِي كَثِيرٌ مِنْ مَجانِينِ الْبِلادِ، وَ رُبَّما حُكَمائِها ..
وَكلاَبِها وَ جِرائِهَا ..
ومُوَظَّفِيها الفاسِدِينَ، وَباعَةِ الْوَهْمِ الْجَمِيلِ،
وَشُرْطَةِ الأَحْلامِ والْمُتَشَعْوِرِينَ وَ غَيْرُهُمْ ..
حَوْلِي نِساءٌ صالِحاتٌ، رُبَّما، أَوْ فاسِداتٌ، رُبَّما، ..
مُتَعوِّداتٌ دائِمًا ومُناضِلاتٌ بالضَّرُورةِ،
هكذَا قالَ الزَّعِيمُ ... إلَخْ .. إِلَخْ ..
حَوْلِي القَذارَةُ والْبَذَخْ!
هُمْ بَعْضُ حاشيَتِي،
وما ضَاقَ الْجِدارُ بِهِمْ كمَا ضَاقَتْ بِأَهْلِيهَا الدِيَارُ
بَسِيطةٌ، كَمْ أَنتِ أَيَّتُها الْحياةُ ومُوجِعَهْ! !
تُبْدِينَ أَوْ تُخْفِينَ آلافَ الْوُجُوهِ بِخِفَّةٍ،
وَتُبَدِّلِينَ الأَقْنِعَهْ !
أَنْتَ النّبِيُّ الْمُسْتَعارُ ...
تَكُونُ وَهْمًا .. أَوْ تَكُونُ حقِيقَةً .. !
لاَ شيْءَ تَخْسَرُ مُطْلَقًا ..
لاَ شَيْءَ غيرَ حذائِكَ البَالِي علَى أَسْوارِ عَكَّةَ،
نَقْرَةٌ تَكْفِي لِتَدْخُلَ أَرْضَ كنْعانَ الْقَدِيمةَ فاتِحًا،
هِيَ نَقْرَةٌ ...
وتَصيرُ ظِلَّ اللَهِ فوْقَ الأَرْضِ،
تَقْضِي بالّذي يَقْضِي هُنَا ..
فَتَقُولُ هَذا دَيِّنٌ .. !
وَتَقُولُ هذا كافِرٌ .. !
وأَراكَ تَدْعُو خلفَ ظَهْرِهِ وَهْوَ مَغْلُولُ الْيَدَيْنِ،
أَراكَ تَسْحَبُ خِنْجَرَ التَّقْوَى فَتَذْبَحُهُ ..
وتَذْبَحُنِي مَعَهْ!
وأَراكَ عَيْنًا دَامِعَهْ ...
وأَراكَ شَيْخًا واعِظًا وَرِعًا
يُجَلِّلُهُ الْوَقَارُ!
أَرَاكَ قِرْدًا عاشِقًا شَبِقًا على حبْلِ الْحضَارَةِ، عابِثًا ..
تُحْيِي غَرائِزَكَ الْقَدِيمَةَ كُلَّها باسمِ الْحضارَةِ،
تَدَّعِي ما تَدَّعِي باسْمِ الْحَضَارَةِ،
وَالْحضارَةُ لَيْسَتِ امْرأَةً لِتُسْأَلَ عنْ بكارَتِها .. !
وليْسَتْ في بِلادِ الرَّمْلِ أَكْثَرَ مِنْ طِلاءٍ للأَظافِرِ،
أَوْ ثَقافَةِ دَوْلَةٍ في تِكْنُلُوجْيَا الْقَتْلِ والتَّعْذِيبِ،
أَوْ واقٍ ذُكُورِيٍّ ...
فَقُلْ لِي: هَلْ تَغَارُ ؟؟
كَأَيِّ قِرْدٍ ناطِقٍ رَكِبَ الْحَضَارَةَ،
هَلْ تَغَارُ ؟؟
هُنا الْجِدارُ ..
ورُبَّما سَيَعِيشُ بَعْدكَ ما يَعيشُ،
سنِينَ أُخْرَى ... رُبَّمَا ..
ويَظلُّ يَنْطِقُ بالّذي قدْ كانَ عارًا،
خالِدًا يَتْلُوهُ عارُ ...
ولَسوفَ يَبْقَى مثْلَ عُودٍ نابِتٍ في ظَهْرِكَ المَكْسُورِ،
أَوْ بِئْرٍ مُعطَّلةٍ،
ومثْلَ سَفينةٍ غَرِقَتْ، أَوِ امْرأَةٍ مُطَلَّقةٍ،
وَقبرٍ لاَ يُزَارُ ..
ولَسوفَ يَبْقَى شَاهِدًا عمّا اقْتَرفْتَ من الجُنُونِ،
أَو النُّباحِ الافتراضِيِّ الْمُباحِ،
فلاَ تَبِعْ ما لاَ يُباعُ،
ولاَ تُجِرْ ما لاَ يُجارُ ...
هُنا الْجِدارُ ..
تَرَكْتُ عُنوانِي عليهِ، وصُورَتِي ...
وقَصائِدًا مَهْجُورةً لمْ يَنْتَبِهْ أَحدٌ لَها ..
وتَرَكْتُ قَلْبِي نائِمًا مِثْلَ الْفَراشَةِ فوقَ كَفِّ النَّارِ،
صَارَ الآنَ لِي بَيْتٌ ودَرْبٌ للرُّجُوعِ،
وصارَ لِي، إِنْ ضَاقَ صَدْرٌ للْغَرِيبِ بِدَمْعَتِي ...
أَهْلٌ وَ جَارُ ..
أَنا الَّذي فَوَّتُّ منذُ طُفُولَتِي كُلَّ الْقِطارَاتِ الَّتِي ...
مرَّتْ سَرِيعًا كالسَّحابِ ولَمْ تَعُدْ ...
لمْ يَبْقَ لِي إِلاَّ الْجِدارُ،
أَنامُ أَوْ أَصْحُو علَيْهِ كَنبْتَةِ الْعُلَّيْقِ تحلُمُ بالسَّفَرْ


هذَا الْجِدارُ !!

كَمْ كُنتُ أَعْمَى ... !

كَمْ كُنتُ أَعْمَى .. ! !
وَأَقُولُ لَمْ أَخْسَرْ سوى ما ليسَ لي ..
وَأَقُولُ: هُمْ مِثْلِي ..
مُعلَّقةٌ أَياديهِم بذاتِ الْمِشْعَلِ ..
وَأَقُولُ .. نحنُ على الغريبِ كَواحِدٍ ..
وَإِنِ اختلفْنا ذاتَ يومٍ ..
حولَ أَفضالِ الذّئابِ على الكلابِ
وَحولَ طعمِ الحنظلِ .. !
وَإِنِ اختلفْنا دائِمًا ..
سَنَظلُّ نَحْفظُ دائِمًا
عَهْدَ الحبيبِ الأَوَّلِ
وَأَقُولُ: ليسَ لنا طريقٌ واحدٌ ..
لكنّنا قدْ نَلْتَقِي ... !
في الْبَدْءِ، أَو في الْمُنتَهى – لاَ شكَّ –
أَو في الْمُنتَصَفْ ..
وإِنِ اعتَصرْنَا الْمِلْحَ فِي أَحْداقِنَا
وَالنَّبْعُ جَفْ .. !
وأَقُولُ: ذاكَ عَدُوُّنا ...
حتْمًا هُنا لَنْ نَخْتَلِفْ .. !
أَوَلَمْ نكنْ يومًا صغارًا نركَبُ الْوادي معًا .. ؟
أَوَ لمْ نَكنْ ...؟
فَرْخَيْ يَمامٍ ذَاهِلَيْنِ عنِ الرّياحِ ..
ترِفُّ إنْ كلَّ الجناحُ وَ لَمْ يَرِفْ ... !
أَوَ لَمْ يَكُنْ ..؟
تَسْرِي غَرائِزُنا إِلى خِدْرِ ابنةِ الْجيرانِ،
نَهْفُو تحتَ شُرْفَتِها الْحرامِ ..
وَ عندمَا تختارُ فارسَها الأَميرةُ ننْحَنِي ..
مِثْلَ الفَوارِسِ في شَرَفْ .. !
فَمَنِ الَّذي زرعَ الْخناجِرَ إذْ كَبِرْنا بيننا .. ؟
ومَنِ الّذي أَدْمَى أَصابِعَنا ...
وأَطْفَأَ جمرةَ الوَرْدِ الْحَيِيِّ
غَفا على خدِّ الأَميرةِ حين نامتْ وَ انقَصَفْ .. !
حتمًا هنا لنْ نَخْتَلِفْ ..
لكنّني كم كُنتُ أَعْمَى ... !
هؤلاءِ جَميعُهُم كانوا مَعِي ..
وَ خَسِرْتُ منهم منْ خَسِرْتُ وَ ليسَ بي ..
أَلَمٌ وَ لاَ نَدَمٌ و لاَ عَتَبٌ و لاَ حتَّى أَسَفْ .. !
ما عُدتُ أَعْرِفُهُمْ أَنا ..
همْ كالدُّمَى يتحوّلونَ إلى وُحوشٍ كاسِرَهْ ...
مَسكونةٍ بالْخوفِ والْحِقْدِ الْمُعتَّقِ و الصَّلَفْ ..
يا أَيّها الْمُتهالِكونَ على شَفيرِ الْحبِّ،
أَنتُمْ أَيُّها الْمُسْتَعْرِبُونَ السّالِفُون ومَنْ خَلَفْ ..
أَوَ بعدَ رابِعةٍ
 نَعيشُ معًا كما كنّا نعيشُ وَ نَخْتَلِفْ .. !
أَوَ بعدَها ..؟
أَلْقَى الشّهيدَ مُصافِحًا ...
وَيَهُشُّ في وجْهِي
وَيَسْأَلُ مثلَ كلِّ النّاسِ عن حالي ..
وَأَحوالِ الأحبّةِ و الْوَلَدْ .. !
لاَ تَسْأَلَنِّي دامَ عِزُّكَ عَن أَحَدْ ..
هانَ الْوَلَدْ ... !
ضاعَ الْبَلَدْ .. !

لاَ تَسْأَلَنِّي دامَ عِزُّكَ عَن أَحَدْ .. !