في العَامِ
الثّامنِ بعدَ الْعَقْدِ الأوَّلِ،
لمْ
تَذْكُرْ كُتُبُ التّاريخِ وَلوْ عَرَضًا شيْئًا منْ ذلكَ كُلِّهِ ..
كانَ
ربيعٌ آخرُ في أحواشِ القريَةِ
يَمْسَحُ
بالْقَمرِ الفِضِّيِّ على الأبْوابْ
لمْ
أحفَظْ مثلَ رفاقي من إنشاءِ الصّفِّ الخامسِ
أوصافَ
الأزهارِ،
وطعمَ
السُّكّرِ في أشداقِ النَّحلِ
ورقْصَاتِ
الأعشابْ!
ريشاتُ
القلبِ هنا وهنالكَ،
كانتْ
راعِفَةً تتلمّسُ أوراقَ الشّجرِ الغافِي،
وعيونٌ
مُثْقلَةٌ بنعاسِ أواخرِ شهرِ الحَبِّ المَلكِيِّ
تفيضُ وتَستَخْفِي
تحتَ الأهدابْ!
في
العامِ الثّامنِ بعدَ العَقْدِ الأوّلِ،
كان
لِقلبِي ألفُ لِسانٍ،
لا
أتذكَّرُ ما يكفي كي أقْطَعَ نَفْسَ الدّرْبِ رُجوعًا ..
لكنّي
أحتاجُ اليومَ إلى شيءٍ منْ تلكَ التّرْبةِ،
وَسْطَ
الغُرْبَةِ!
صارَ
لِهذا القلبِ اليومَ تمامُ الغُرْبَةِ
مثلَ
بريدٍ ضاعَ سِنينَ على الأعتابْ
أرْخيتُ
لِذاكرتِي فتراخى العُمْرُ،
وقفتُ
أمامَ المَعْهَدِ،
خفّتْ
كفُّ صديقِي وهو يودّعنِي:
سيمُرُّ
اليومُ كعادتِهِ، لا تنسَ وكُنْ حذِرًا .. !
لكنّ
القلبَ تلفّتَ مُرتعِشًا،
ومضى من
غيرِ جوابْ!
في
الباحةِ كان زُناةُ المعبدِ ينتظرونَ،
نظرتُ
إلى أعلَى ..
اخترقتْ
عيناها جمجُمتِي،
ورفعتُ
يدي، سقطتْ يدُها من غيمِ الشُّرفةِ ..
واصطفقتْ
كلُّ الأبوابْ ..
اليومَ
فقطْ ودّعتُ حليبَكِ يا أُمّي ..
وتركتُ
على أطرافِ وسادتكِ الأشواقَ
وقبلتيَ
المَنْسيَّةَ منذُ زمانٍ ..
لمْ
أعرفْ أبدًا ..
لمَ
كانتْ تَخذِلُنِي الكلماتُ، وما شفَّتْ روحي،
أبَدًا
..
لأقولَ
أحبُّكِ يا أُمّي ..
بسذاجةِ
طفلٍ مُرتبِكٍ ..
يتهجّى
أحرُفَهُ الأولى،
و
يُشكّلُ وجهَ حبيبتِهِ الأولى ..
بخطوطٍ
من رملٍ وَسَرابْ ..!
كان
البردُ يُعربدُ في أَصقَاعِ اللّيلِ،
فتعوي في
أقبيةِ التّعذيبِ جراءٌ مَسْلُوخَهْ ..
ويَعَضُّ
الذّئبُ أخاهُ ..
يعضُّ
إلى أن تَشْهقَ في عينيهِ الرّغْبَةُ حاميةً ..
فيسيلَ
لُعابُهُ تحتَ الجلدِ،
وتَحمرّ
الأنيابْ ..!
-
هل أنتَ الجروُ الشّاعرُ ؟؟
أخبِرْنِي:
بمَ تَشعرُ بينَ يديَّ الآنَ ..؟!
ستَمدحُنِي
هذي اللّيْلَهْ ..!
أنتَ
المُتَنَبِّي فِي قَصْرِي،
وأنا
سيفُ الدَّوْلَهْ .. !
لِمَ
كنتَ تحاولُ قلبَ نظامِ الحكمِ
بِأغْنِيةٍ
وكِتابْ ..؟!
نفثَ
الشّرطيُّ دخانَهُ في وجهِي ..
ومضى
يتبوّلُ كالخنزيرِ على كُرّاسةِ أشعارِي ..
-
أَتَرَى ..! سنُطَهّرُكُمْ من كلِّ خطاياكُمْ .. !
لَنْ
تَعْرِفَ نفسَكَ بعدَ اليَومِ لِتُنْكِرَها ...!
ما بينَ الْمَوتِ
وشبهِ نُعاسٍ سادِيٍّ ..
لم أسمعْ
بعدئذٍ في الظُّلمةِ
غيرَ نشيجِ الحنطةِ في الطّاحونةِ،
وانغرستْ
في القلبِ شظيّةُ بِلَّورٍ ..
أطلقتُ
سحابًا في للرّيحِ ..
وركضتُ أسابقُ
قلبي بالقدمينِ الحافِيَتينِ،
أَخِبُّ
وأعثُرُ ...
أنهضُ ..
أَعلَقُ في أَخْماطِ الطّينِ ...
فأترُكُ
زوجَ حذائِي، ثمّ أطيرُ ..
أصيرُ
سحابًا فوق الرِّيحِ،
سَحابًا
فوقَ سحابٍ فوقَ سحابْ ..
يا زَهرةَ
روحِي يا وجَعِي ..
لا بيتَ
هناكَ على سَفْحِ الغاباتِ يُلَوِّحُ لي ..
تبتلُّ
الرُّوحُ بِمَرْجِ حنينٍ مَذْبُوحٍ ..
وأنا ما زِلتُ
صغيرًا يا بلدي ..
لمْ
أعرفْ غيرَكِ،
لم
أتصوَّرْ أنّه كان على قلبي ..
أن
يَحذَرَ عِطرَ حُقولكِ في السَّحَرِ!
أوْ ما
تُخْفي الأشجارُ، وأبوابُ الجيرانِ ..
أنا ما
كنتُ لأَحْذَرَ إخوانِي .. !
أوَلَسْنا
جميعًا إخوانَا ..؟
فلماذا يَغْضَبُ
سجَّانِي ؟؟
ويَرانِي
كَلْبًا يَتْبَعُهُ ..
وَيرانِي
شُبْهَةَ إِنسانِ .. !
وَأنا لا
أَعْرِفُهُ ..
لا
أعْرِفُ منْ ولاَّهُ على هذَا البَلَدِ ..
ويَدِي و
غَدي ..
وعَذابِ
اللهِ .. وأَحزانِي .. !
في
القريةِ لمْ تَغْفَلْ أبَدًا عينُ اللهِ
عنْ أيِّ
فقيرٍ أوْ مَحزونٍ أو أعْمَى ..
وَظَننتُ
بأنَّ دُروسَ السّيّدِ مَحمُودٍ،
لنْ
تُخْطِئَ يومًا حُجَّتَها ..
كُنَّا
نأْتِيهِ فِراخًا من حَجَلٍ،
ونُرَدِّدُ
خَلْفَهُ:
عاشَتْ
تونِسُ ! عاشَتْ تونِسُ ! عاشَتْ تونِسُ !
عاشَتْ
عاشَتْ عاشَتْ تونِسُ !
كُنَّا
نَهْتِفُ والأَضلاعُ تُصفِّقُ:
عاشَتْ تونِسُ!
نَرْفعُ
هاماتٍ مُفْعَمةً بالوَجْدِ، وبالنّخْوَهْ ..
ما
كُنَّا نُدركُ أنَّ علينا نحنُ جميعًا أنْ نَفْنى .. !
كيْ تحيا
تُونِسُ ...
أَنَّ علينا
أن نَعرَى،
أَنْ
نَدْفِنَ أَجْمَلَ حبّاتِ العُمْرِ ..
في
قَبْرٍ خلفَ القُضبانِ .. !
في
العامِ الثّامنِ بعدَ العَقْدِ الأوَّلِ،
كنتُ
صَغيرًا يا بلدِي، وكبِرْتُ بِلاَ أَجلٍ ..
في
بِضْعةِ أَيَّامٍ ...
شاختْ
رُوحِي وأنا أَتَلَمَّسُ خدَّ جدارٍ مُكْتَئِبٍ ..
و
أَخُطُّ عليهِ شَواهِدَ من تَعَبِي .. !
واليومَ
أُحاولُ أن أَنْسَى ..
لكنَّ جراءً
مَسْلُوخَهْ .. !
ما زالتْ
تَعْوِي داخلَ جُمْجُمَتِي ..
ما زِلتُ
أَعُودُ وأَقطعُ نفسَ الدّربِ رُجوعًا
كُلَّ
رَبيعٍ ..
نحوَ
سُجونِ " الْكَافِ " و " بُرْجِ الرُّومِيِّ " ..
لكنَّ جراءً
مَسْلُوخَهْ .. !
مَازالَتْ
تَنْهَشُ وجْدانِي ..
مازالتْ
تَنْهشُ أَكفانِي ..

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire