عادَ الشِّتاءُ ...
وبَرَّدَتْ كَفَّاهُ أَطرافَ
المدينةِ كُلَّها،
إلاّ حَنِينًا ظلَّ يَذْكُو،
مثلَ تَنُّورٍ يَفُورُ،
ورَقصَةَ الضّوءِ الحزينَةَ فوقَ
شالِكِ ...
لا تَغِيبِي !..
ليلُنا قَرٌّ طويلٌ، ...
ريحُنا صَرٌّ ..
وسَقْفُ الرّوحِ عارٍ كالزُّجاجِ،
فلا تَغِيبِي ...
أَقْبِلِي مطَرًا يَرِفُّ كطائرِ
الزّيتُونِ،
فوقَ أصابِعِي ...
مطَرًا يُذَوّبُ قهوةَ الأَحزانِ،
يَشْرَبُها معِي ...
وتَذَكّرِي قمرًا أَضَعْتُهُ تحتَ
شَعْرِكِ
كلّما نَادَيْتُ من لَهَفٍ عليكِ
ولَمْ تُجِيبِي....
لا تَغِيبِي .!
خَدَرٌ ... وَوقْعُ خُطًى على
الإِسْفَلْتِ
يَقْتَربُ وَيَبْتَعِدُ...
وَضَوءٌ قاتِمٌ بين الظِّلالِ
تَلُوكُهُ السّاعاتُ، تَشْرَبُهُ
الزَّوايَا
كانَ وَعْدًا ...
أن تَكوني الآن في حضنِ المَرايا
أَنْ تُدَلِّي خُصْلَتَيْنِ إلى
الأَمامِ ..
وَتَتْرُكِي للرِّيحِ شَالَ
اللَّوزِ مُنْسَرِبًا على الكَتِفَيْنِ،
أن تُجْرِي أَصابِعَكِ
الخُجُولَةَ فَوْقَ خِصْرِكِ،
نَهْدِكِ المَوْتُورِ فِي صَلَفٍ
وَتَبْتَسِمِي لِطِفْلٍ راقِصٍ
بينَ الحَنايَا
كانَ وَعْدًا أَنْ تُحِبِّينِي
وَ إِنْ ضَيَّعْتِ عُنوانِي ..
وَإِنْ ذَرَّيْتِ فَوْقَ الماءِ وَالأَشْلاءِ
كُلَّ تُرابِيَ الفانِي
ووَعْدًا أن أُحِبَّكِ،
عندما تَسَّاقَطُ الأَعوامُ منِّي
...
فَوقَ أَعْتابِ الْمَشْيبِ
فَلا تَغِيبِي ..!
لاَهِثانِ أنا وأنتِ وراءَ
صافِرةِ القِطارِ
ننَامُ مِلْءَ التِّيهِ يا وَجعِي
أمامَ النّافِذَهْ
تَتَرفَّقُ العَجَلاتُ حِينًا ...
ثُمَّ تَدْوِي تَحتَ خَلْخَلَةِ
الضُّلُوعِ،
على صَفِيحِ الانتظَارِ،
وَيُصِيبُنِي فرَحٌ عِدائِيٌّ وَشَجْوٌ
غامِضٌ
كم أنتِ أَجْمَلُ حينَ تبتسِمِينَ
أوْ تبكينَ...
حين تُكابرين وَتَصْرُخِينَ وتَهْمِسِينَ،
تُعانِقِينَ وتَرْحَلِينَ،
كم أنتِ أَجملُ حين يَحْجُبُكِ
النَّهارُ عن النّهارِ...
وَتَطْلَعِينَ إِليَّ من طيَّاتِ
مِعْطَفِيَ البَلِيلِ
حمامةً مَقْرُورةً
ومن الضَّبابِ ومن دُخانِ
سَجائرِي ...
وَأَراكِ في أَوراقِ شِعْرِي ...
فوق طاوِلَتِي،
وَفي فنجانِ قَهوتِيَ الحزينِ
وفي انكساري ...
كم أنتِ أجملُ
حينَ يَفْجَؤُني سلامُكِ بَاهِتًا
عبرَ الزّحامِ
أَكادُ أسمَعُ نَقْرَ كَعْبِكِ
فوق أدراجِ الرُّخامِ
أكادُ أسْبِقُنِي إليكِ، وأدَّعِي
...
أنّي رأيتُكِ صُدْفَةً
تتَسَلَّلِينَ إلى رُؤَايَ
وتَصْعَدِينَ إلى منامِي ...
وَأَكادُ لا أَرْجُو من الدُّنْيا
سوى ...
مَطَرٍ أَخيرِ!
أَكادُ لا أَرْجُو سوى عينينِ إن
واعَدْتِنِي لا تَغْمَضانِ...
وَإنْ مَدَدْتِ إِليهِما خيْطا من
الضَّوء الحَمِيمِ
تُرَفْرِفانِ ...
ماذا أُريكِ
الآنَ
غَيْرَ مواكِبِ الأحزانِ في
بَلدِي
وأَعمِدَةِ الدُّخانِ ...؟
ماذا يُقَدَّرُ أن أَرى فيمَا يُحاصِرُنِي؟
نُكُوصَ العُمْرِ
أم عَتَبَ الزَّمانِ على الزّمانِ؟
أَنا كُنتُ قبلَكِ زاهِدًا فيما
أُحبُّ ولا أُحِبُّ ..
رَأَيْتُ ما يَكْفِي لأَحْزَنَ
أَلْفَ عامٍ ..
أَنْبِيَاءَ مُصَلَّبِينَ
ومُتْرَفِينَ وَمُعْدَمِينَ
وصاغِرِينَ مُكابِرِينَ،
وعَاشِقِينَ على الحِرابِ
مُعَلَّقِينَ
وَهارِبِينَ إلى القُبُورِ بلاَ
رُؤوسٍ أَوْ جُثَثْ
أنا كنتُ قبلكِ واحِدًا وغَدَوتُ
كلَّ النّاسِ:
من بادُوا ومن هادُوا
ومن رَحلُوا ومن عادُوا وما
عادُوا ...
لأنّكِ أنتِ لسْتِ سِواكِ ...
لا تُعْطِينَ حُبَّكِ مرَّتينِ
لأنَّ شَرْقَكِ ليسَ غَربًا ..
صارَ وجْهُكِ قِبْلَتِي ..
وتَركتُ للذِّئْبِ القَطِيعَ
وكلَّ ما قطفتْ يَدايَ، ودَمعَتَيْنِ ...
يا غَيْمِيَ المَكْدُودَ لا
تَعْتَبْ وأَرْخِ الظِّلَّ،
إِنّا هاهُنا شَجَرٌ على حَجَرٍ
..
وَهذي الأَرْضُ واقِفَةٌ تَدُورُ
..
أَكلُّ ما رُفِعَتْ عليهِ سَماؤُنا
وَهْمٌ وَزُورُ...!
عُرُوشُنا ونُعُوشُنا ...
وَدَوِيُّ رَجْعِ طُبُولِنا
وجِباهُنا الغَرَّاءُ والزِّيناتُ
والفرسُ المُطَهَّمُ ...
كلُّها وَهْمٌ وَزُورُ!
ليسَ لِي بعدَ الجُنونِ حَقيقةٌ
إِلاّكِ أنتِ ..
وليسَ بعدكِ حبَّةٌ في الأرضِ
من هذا التُّرابِ أَقُولُ أعرفُها
وتَعْرِفُنِي
أُضيءُ لَها جراحِي في ليالي الثّلجِ،
في حُمّى الصَّقِيعِ ..
كدمعةٍ ما زِلتُ أَذْرِفُها وَتَذْرِفُنِي
لأنّكِ أنتِ لَسْتِ سِواكِ ...
أَهطلُ فيكِ كالمطرِ الغَرِيبِ
وظامِئًا أَهْفُو لِصَوتِكِ،
أشْتَهِي لونَ اكْتِحالِكِ حين
يَغْشَانِي وأَبْكِي ...
ضاعَ وجْهِي خَلْفَ مَنْ ضَاعُوا
وغابَ ...
فلا تَغِيبِي!

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire