jeudi 16 juin 2016

غَيْمةُ سُكَّرْ


 ( إليها ...  في ذكرى زواجنا العشرين )
ومَرَّتْ بنا السّنَواتُ ...
كَأُرْجوحةٍ في مَهَبِّ الْحرائِقِ تعلُو وتَسْفُلُ
شابَكْتُ فيها يديكِ،
وشابَكْتِ فيها يديَّ،
وطارتْ بنا الذِّكرياتُ ..
كما لو رَأَيْتُكِ للتَّوِّ منذُ ثلاثينَ عامًا وَأَكْثَرْ
مَضتْ سنواتٌ،
و لا شيءَ فيكِ تَغَيَّرْ ..
وَ أَذكُرُ ... كانَ المساءُ خريفًا ..
وفي آخر الأُفْقِ فوقَ المدى غيمتانِ
وخَفْقٌ من الرِّيحِ في ساحةِ المعهدِ الثّانويِّ
وشيْءٌ من الشَّجَنِ العاطِفيِّ المُبَكِّرْ ..
مررتِ أَمامي كرشَّةِ عِطْرٍ،
وغَيْمَةِ سُكَّرْ
وَ ما قُلْتِ شيئًا ..
ولكنّني أخبرَتْنِي الفَراشاتُ عنكِ
ومَا قُلتُ شيئًا ...
تركتُ شظاياكِ تسقُطُ في داخلي
مثلَ حبَّاتِ ثلجٍ مُعَطَّرْ ..
صغيرَيْنِ كُنَّا ..
على عتباتِ الحياةِ نمُدُّ الخُطى
نَتَعثَّرْ ..
وكنتُ أنا شاعرًا عاطِفِيًّا
أصيدُ الْعُيونَ الحزِينةَ بالْكلماتِ،
وكنتِ احتراقَ النّدى في الأَساطيرِ،
لُبْنَى و عَفْراءَ و العامِرِيَّهْ ..
وكلَّ النّساءِ اللّواتي،
حَمَلْنَ بما في سماءِ الْقَصائِدِ
من أَنْجُمٍ شَاعِريَّهْ
هنالِكَ ... قبلَ ثلاثينَ عامًا
وَقَفْنا على أَوّلِ الدَّرْبِ مُزْدَحِميْنِ بِأَحلامِنَا الْحافِيَهْ
وَ بريئينِ، كالنّبْعِ لا يَتَكدَّرْ ..
وقالَ الْكثيرُون: لا يَصْدُقُ الحبُّ إِلاَّ قليلاَ ..
هو الْقَلْبُ مُهْرٌ جَفُولٌ
وليسَتْ بهِ الرُّوح إِلاَّ فتيلاَ ..
وقالُوا: عَشِقْتِ الّذي لا يَصُونُ ..
همُ الشُّعراءُ يَحُطُّون مثلَ الطُّيُورِ على كلِّ غُصْنٍ
ولا يَمكثُونَ عليهِ طوِيلاَ ..
وقلتِ: عشِقْتُ الّذي لاَ يَخُونُ ..
ولاَ يَعْرِفُ الْمُسْتَحِيلَ ...
مضى العُمْرُ ... أَيَّامُهُ العابراتُ البَرِيئةُ،
واهتزَّتِ الأرضُ من تَحْتِنا ..
صارَ بعضُ اليَقِينِ سرابًا،
وبعضُ السّرابِ يَقينَا ..
ومَادَتْ بنا طُرُقاتُ المدينةِ،
تَنْثُرُنا كالْحَصَى ...
وتُبَعْثِرُنَا في دُروبِ الْحياةِ
كَبرتُ لأَجْلِكِ في لحظةٍ ألْفَ عامٍ ..
وأَوهنتِ الرّيحُ منّي يدًا لاَ تَطولُ
وَقلْبًا نَحيلاَ ..
وما كانَ أَقْسَى الرُّجوعَ إلى خُلْوةِ العاشِقِينَ!
أنا مَنْ نَعَتْنِي الْجرائدُ حيَّا ..
ولمّا أَعِشْ بعدُ عشرينَ عامَا ...
كرهتُ الْكلاَمَ ..
وَصمتَ الثّكالَى الثَّقيلَ .. 
ففي بلدي يفطِمونَ الرِّجالَ
إذا بَلَغُوا رَعْشَةَ الحُلْمِ أَوْ رَكِبُوا الْمُسْتَحِيلَ
وأذكُرُ أنّهُ ما كانَ يعنيكِ بعضُ الّذي يعترينِي
فقدْ كنتِ لا تفْهمِينَ السّياسَهْ !
و لا تَفْهَمينَ لماذا على الصُّمِّ أن يَحكُمُوا ..
وعلى البُكْمِ أن يحْلُمُوا ..
وعلى الْعُمْيِ في أَرْضِنَا أَنْ يَصيرُوا
كِلاَبَ الْحِراسَهْ ..
وكُنتُ كما كنتُ ... أُصْغِي لِنَفْسِي
هنالِكَ دَومًا على حافَةٍ مّا من البِئْرِ،
كَفٌّ أَخِيرُ ..
وشيءٌ من القَدَرِ الْفَوضَويِّ الجَمِيلِ
يَسِيرُ كما ينْبَغِي إذْ يَسيرُ ..
وَ أَذكُرُ أَعوامَنا الْكالِحاتِ الشَّحِيحَهْ ..
وأَحلامَنا الزَّاهِداتِ،
صغيرَيْنِ كُنَّا على كلِّ ذاكَ الضَّياعِ المُخِيفْ
وليسَ لنا خيْمةٌ أَو رَصِيفْ
خريفَ البلادِ الحزينَ ...
لِمَنْ يا خَرِيفْ؟
تَدورُ الْفُصُولُ وَ تَشْتاقُ عامًا فعامَا ..؟
تَشِيخُ على شفَتِي الْكلماتُ،
و يَبْلَى السُّؤالُ ..
وَ دَرْبِي مُحالُ ..
شَرِبْتُ .. كتبتُ .. اغتَرَبْتُ وذُبتُ كَثيرًا ...
كَذبْتُ كَثيرَا ..
لأَكْتُمَ فِي الْقَولِ لاَ يُقالُ ..
وَ دَرْبِي مُحالُ ..
تَدورُ المَدينةُ من حولِنا مثلَ طاحُونةٍ مُتْعَبَهْ ...
-         هَلْ تَفقّدْتَ فيرُوزَ؟
-         أَسْنانُها اللَّبَنِيَّةُ تنمُو كَزَهْراتِ لَوزٍ طَرِيَّهْ
ولاَ شيْءَ ... حُمَّى الحياةِ تُوَرِّدُ خدَّيْ صَغِيرَتِنا
-         وحَنينُ ..؟
-         هنا .. أَوْ هنالِكَ ... تَدْرُجُ مثلَ الإِوزِّ
تَعِيْنا كَثيرًا، وما كانَ يَكْفِي ...
تُريدينَ أَشياءَ تبقى و إنْ زَفَّنا الْموتُ يَومًا ..
ومثلَكِ أَيْضًا ...
أُريدُ فقطْ ما يُرِيدُ الرِّجالُ ..
وَ درْبِي مُحالُ ..
كَبرْنا مَعًا يا حَبِيبَهْ ..
ثلاَثُونَ عامًا مَضَتْ كيفَما قدْ مَضَتْ
أَمْطَرتْ مَرَّةً، وَ صَحَتْ مرَّةً ..
وما زِلْتُ طفلاً ...
على الرَّملِ يَحْبُو وَ يَقْفُو خُطاكِ ..
يشُمُّ رِداءَكِ ... ما زِلتُ طِفلاً ..
يَضِيعُ إذا غفلتْ عنهُ عيناكِ،
ينسَى دُروسَ الحياةِ سَرِيعًا
وَ يَخْدعُهُ الغُرَباءُ بقِطْعةِ حَلْوَى ..
وَ لَمْسَة طِيبَهْ ..
كَبِرنا مَعًا يا حَبِيبَهْ ..
وصَارتْ لنا مثْلَ رَمْلِ الصّحارَى ...
حَكايَا كثيرَهْ!
غَدًا سوف نَمْضِي بِها نحو أَرْضٍ غَرِيبَهْ ..
ستَثْقُلُ خُطْواتُنا في الطَّريقِ الطَّويلِ ..
ولكنّنا سوفَ نَحمِلُها للنّهايَةِ: كفًّا بِكفٍّ ...
هناكَ على ساعِدِ الانتِظارِ الأَخيرِ
أَقِيمِي فقطْ ظُلَّةً للطُّيُورِ ..
وَ عُرْسًا بسيطًا لأَحزانِنا ..
فإِذَا متُّ قبْلَكِ ... لا تتْرُكِينِي .. !
وإِنْ متِّ قبلِي ...
ضَعِي فوقَ قبرِي يَديْكِ ونامِي...
طويلاً طويلاً كما كُنْتِ دوْمًا ..

على سِدْرةِ الرُّوحِ دومًا ... قَرِيبَهْ .. !!

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire