كانتْ لأمّي سيرةُ العذراءِ ،
لمْ ترَ في الزّحامِ سوى وجوهِ الصّالحاتِ ،
وكنتُ أسمعها تدندنُ خلفَ مِنْسَجِها القديمِ ،
فأنْتَشِي حدَّ البكاءِ
وكانَ لي شيءٌ من السّحْرِ المُقَدَّسِ في تمائمِها - الخفيّةِ
دائِمًا -
وكأنّها تُصْغِي لأجراسِ القَدَرْ
لم تكترِثْ يومًا لألسِنةِ المَشِيبِ أو التّجاعيدِ الكثيرةِ ،
وهي تزحفُ فوقَ هامتِها ببطْءٍ كالرّمالْ ..
مازلتُ أذكرُ يومَ أخطأتُ الطّريقَ
وعضّنِي كلبٌ فأثخنَ في يدي
ورجعتُ أبكي فوق ركبتِها و أمسِكُ ساعدِي
نظرتْ إليَّ بقسوةٍ فيها الدّلالْ ..
- قلتُ : لا يبكي الرّجالْ
واليوم يا أمّي مضى زمنٌ طويلٌ عنْ حكاياتِ الصِّبَا لكنّني
مازلتُ لم أفهمْ تماما : كيف لا يبكي الرّجالْ ؟؟
هلْ تُدركينَ و نحنُ مِسْخٌ في بلادِ القهرِ
معنى أن تكونَ " إذا نزلتَ بِدارِ ذلٍّ " لا تَلِيها "
فــارْحَلِ "
هلْ تدركينَ بأنّنا منذ الولادةِ ينبتُ العُلِّيقُ في أفواهنا
ونصيرُ شيئًا تافِهًا مثلَ الغسيلِ ، معلَّقًا فوق الحبالْ
كيفَ لا يبكي الرِّجالْ ؟؟
مَنْ أُجْهِضَتْ أحلامُهم وتكسّرتْ خلفَ المرايا
مثلما شرفُ الصّبايا ...
كيف لا يبكي الرّجالْ ؟؟
من يزهدونَ كأنبياءٍ في أراجيح الطّفولةِ
أو حماقاتِ الشّبابِ
و يحلمون بجنّةٍ للصّابرينَ هنا على هذا التّرابِ
و يعزفونَ و ينزفونَ
و يحفظونَ الشّعرَ عن وطنٍ يُضيءُ قبورهمْ ..
لكنّهمْ يستنزفونَ العمْرَ في زنزانةٍ منسيّةٍ
محفورةٍ ما بينَ أرحامِ الجبالْ
كيف لا يبكي الرّجالْ ؟؟
عندمَا يستيقظُ الأطفالُ قتلى في حجورِ النّائحاتِ
ويسألونَ بِأيِّ ذنبٍ ؟ .. أيِّ ذنبٍ ؟ ... يرحلونْ ؟
ويزحفونَ على الرّمادِ إلى صدورِ الأمّهاتِ
لكنّهمْ يجدونَها تحتَ الرّكامِ تكسّرتْ فيها النّصالْ
كيف لا يبكي الرّجالْ ؟؟
في حضرةِ امرأةٍ تُقَدّمُ مرَّةً أخرى لفارسِها الكفَنْ
وتَضمُّ معطفَهُ على كتفيهِ في لهَفٍ :
- تدثّرْ يا حبيبي جيّدًا ،
فاللّيلُ في الأحراشِ أبردُ ما يكونُ
وتسيرُ خلفهُ خطوتينِ لكي تودّعَهُ ببسمتِها الأخيرةِ ،
خلفَ أدمعها الثّقالْ
كيف لا يبكي الرّجالْ ؟؟
ومنِ الّذي يبكي إذنْ إن كان لا يبكي الرِّجالْ ؟؟
أوت 2013

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire