( أو ... في دولة الفايسبوك )
هَذا الْجِدارُ، ..
ولَسْتُ
أَعْرِفُ كيْفَ أَصْبَحَ لِي رَفيقًا دائِمًا،
هذا
الْجِدارُ ..
هَجَرْتُ
عاداتِي إِلَيْهِ،
هَجرْتُ
لَغْوَ الشَّاشَةِ الْكُبْرَى ...
وجيرَانَ
النَّدامةِ،
والرُّفُوفَ
الْمُثْقَلاَتِ بِأَرْخَصِ الْكُتُبِ الْحَزِينةِ،
والرِّفاقَ
العاطِلِينَ الْعالِقِينَ كما الْمَسامِيرُ الْقَدِيمةُ في كَراسِيِّ الْمَقَاهِي
...
صارَ بينِي،
حينَ تَرْتَعِشُ الْقُلوبُ، وبينَهُمْ ...
هذَا
الْجِدارُ .. !
أَنا الْمُهاجِرُ،
رَاسِفٌ في غُرْفَتِي الْمَقْرُورةِ الْعَمْياءِ،
في بيْتٍ
وَطِيءٍ مُرْطِبٍ،
في
شارِعٍ لا يَحْفَظُ الأَسْمَاءَ، مُزْدحِمٍ كَبيضِ النَّمْلِ،
في حيِّ
الْهُنودِ السُّمْرِ، في ظَهْرِ الْمدينةِ،
في بلادٍ
فوقَ خطِّ الاسْتواءِ وَ تَحْتَ خطِّ الانْحِناءِ ..
أَنا
الْمُحاصَرُ والْحِصارُ،
وَمَنْ
أَنا .. ؟
أَعلنْتُ
ممْلَكَتِي أَنا مِنْ جِلْدِ ثَورٍ، لا حُدودَ تَحدُّها ..
واخترْتُ
شَعْبِي مِنْ جمِيعِ قبائِلِ الدُّنْيَا،
بِجِنْسيَّاتِهِمْ،
و لُغاتِهِمْ ..
دَرْبِي
أنا الْكُوسْمُوسُ كُلُّهُ، لاَ الْمَضارِبُ وَ الدِّيارُ ..
وَمَنْ
أَنا .. ؟
هذَا
الْجِدارُ ...
دَمِي
عليْهِ وَ شَهْوَتِي، وَ غريزَةُ الذِّئْبِ الْوَحيدِ ..
مُغَرِّدًا
أَعْوِي إِذا جنَّ السُّكُونُ وأَثْلَجَتْ قَدَمايَ،
صَمتٌ حالِكٌ،
وحفيفُ أَفْعًى في الْفِراشِ،
أَنُطُّ
منهُ كَأَرْنَبٍ مَذْعُورةٍ،
وأَدُورُ
حوْلِي خائِفًا ...
فَيكادُ
يَصْعَقُنِي الدُّوارُ ..
هُنا
الْجِدارُ ...
تَحُطُّ
قُبَّرةٌ على بَابِي وتَنْقُرُ نَقْرَتَيْنِ ...
أَقُولُ:
مَرْحَى ...! هَلْ تُرِيدِينَ الغِناءَ؟
تَقُولُ:
دَثِّرْنِي! .. أَنا مَقْرُورَةٌ جِدًّا
...
فَأَفْتَحُ
مِعطَفِي الْبَالِي، وَ تَخْلعُ رِيشَها ..
وتنامُ
عارِيةً إِلى أَنْ يَنْضُجَ اللّيلُ،
ويَفْضَحَها
النَّهارُ!
هُنا
الْجِدارُ ..
أَخُطُّ
مِنْ حينٍ لآخرَ بَعْضَ أَشْعَارِي ..
وأَكْتُبُ
عنْ هُمُومِ النَّاسِ،
يا
نَفْسُ ارْحَمِينِي مِنْ هُمُومِ النَّاسِ ..
صِرْتُ
بِلاَ أَنا ..
أَشْتاقُ
نَفْسِي كُلَّما غَنَّى حَلِيمُ، وأَدْمَعَتْ عينُ السَّحابِ،
وكُلَّما
ضَحِكَ الصِّغارُ!
وَمَنْ
أَنا ..؟
الافْتِراضيُّ
الَّذي غَنَّى مَعي ..
لكنّنِي
مهما بَكَيْتُهُ لا يُكَفْكِفُ أَدْمُعِي .. !
حَوْلِي
كَثِيرٌ مِنْ مَجانِينِ الْبِلادِ، وَ رُبَّما حُكَمائِها ..
وَكلاَبِها
وَ جِرائِهَا ..
ومُوَظَّفِيها
الفاسِدِينَ، وَباعَةِ الْوَهْمِ الْجَمِيلِ،
وَشُرْطَةِ
الأَحْلامِ والْمُتَشَعْوِرِينَ وَ غَيْرُهُمْ ..
حَوْلِي
نِساءٌ صالِحاتٌ، رُبَّما، أَوْ فاسِداتٌ، رُبَّما، ..
مُتَعوِّداتٌ
دائِمًا ومُناضِلاتٌ بالضَّرُورةِ،
هكذَا
قالَ الزَّعِيمُ ... إلَخْ .. إِلَخْ ..
حَوْلِي
القَذارَةُ والْبَذَخْ!
هُمْ
بَعْضُ حاشيَتِي،
وما
ضَاقَ الْجِدارُ بِهِمْ كمَا ضَاقَتْ بِأَهْلِيهَا الدِيَارُ
بَسِيطةٌ،
كَمْ أَنتِ أَيَّتُها الْحياةُ ومُوجِعَهْ! !
تُبْدِينَ
أَوْ تُخْفِينَ آلافَ الْوُجُوهِ بِخِفَّةٍ،
وَتُبَدِّلِينَ
الأَقْنِعَهْ !
أَنْتَ
النّبِيُّ الْمُسْتَعارُ ...
تَكُونُ
وَهْمًا .. أَوْ تَكُونُ حقِيقَةً .. !
لاَ
شيْءَ تَخْسَرُ مُطْلَقًا ..
لاَ
شَيْءَ غيرَ حذائِكَ البَالِي علَى أَسْوارِ عَكَّةَ،
نَقْرَةٌ
تَكْفِي لِتَدْخُلَ أَرْضَ كنْعانَ الْقَدِيمةَ فاتِحًا،
هِيَ
نَقْرَةٌ ...
وتَصيرُ
ظِلَّ اللَهِ فوْقَ الأَرْضِ،
تَقْضِي
بالّذي يَقْضِي هُنَا ..
فَتَقُولُ
هَذا دَيِّنٌ .. !
وَتَقُولُ
هذا كافِرٌ .. !
وأَراكَ
تَدْعُو خلفَ ظَهْرِهِ وَهْوَ مَغْلُولُ الْيَدَيْنِ،
أَراكَ
تَسْحَبُ خِنْجَرَ التَّقْوَى فَتَذْبَحُهُ ..
وتَذْبَحُنِي
مَعَهْ!
وأَراكَ
عَيْنًا دَامِعَهْ ...
وأَراكَ
شَيْخًا واعِظًا وَرِعًا
يُجَلِّلُهُ
الْوَقَارُ!
أَرَاكَ
قِرْدًا عاشِقًا شَبِقًا على حبْلِ الْحضَارَةِ، عابِثًا ..
تُحْيِي
غَرائِزَكَ الْقَدِيمَةَ كُلَّها باسمِ الْحضارَةِ،
تَدَّعِي
ما تَدَّعِي باسْمِ الْحَضَارَةِ،
وَالْحضارَةُ
لَيْسَتِ امْرأَةً لِتُسْأَلَ عنْ بكارَتِها .. !
وليْسَتْ
في بِلادِ الرَّمْلِ أَكْثَرَ مِنْ طِلاءٍ للأَظافِرِ،
أَوْ
ثَقافَةِ دَوْلَةٍ في تِكْنُلُوجْيَا الْقَتْلِ والتَّعْذِيبِ،
أَوْ
واقٍ ذُكُورِيٍّ ...
فَقُلْ لِي:
هَلْ تَغَارُ ؟؟
كَأَيِّ
قِرْدٍ ناطِقٍ رَكِبَ الْحَضَارَةَ،
هَلْ
تَغَارُ ؟؟
هُنا
الْجِدارُ ..
ورُبَّما
سَيَعِيشُ بَعْدكَ ما يَعيشُ،
سنِينَ
أُخْرَى ... رُبَّمَا ..
ويَظلُّ
يَنْطِقُ بالّذي قدْ كانَ عارًا،
خالِدًا
يَتْلُوهُ عارُ ...
ولَسوفَ
يَبْقَى مثْلَ عُودٍ نابِتٍ في ظَهْرِكَ المَكْسُورِ،
أَوْ
بِئْرٍ مُعطَّلةٍ،
ومثْلَ
سَفينةٍ غَرِقَتْ، أَوِ امْرأَةٍ مُطَلَّقةٍ،
وَقبرٍ
لاَ يُزَارُ ..
ولَسوفَ
يَبْقَى شَاهِدًا عمّا اقْتَرفْتَ من الجُنُونِ،
أَو
النُّباحِ الافتراضِيِّ الْمُباحِ،
فلاَ
تَبِعْ ما لاَ يُباعُ،
ولاَ
تُجِرْ ما لاَ يُجارُ ...
هُنا
الْجِدارُ ..
تَرَكْتُ
عُنوانِي عليهِ، وصُورَتِي ...
وقَصائِدًا
مَهْجُورةً لمْ يَنْتَبِهْ أَحدٌ لَها ..
وتَرَكْتُ
قَلْبِي نائِمًا مِثْلَ الْفَراشَةِ فوقَ كَفِّ النَّارِ،
صَارَ
الآنَ لِي بَيْتٌ ودَرْبٌ للرُّجُوعِ،
وصارَ
لِي، إِنْ ضَاقَ صَدْرٌ للْغَرِيبِ بِدَمْعَتِي ...
أَهْلٌ
وَ جَارُ ..
أَنا
الَّذي فَوَّتُّ منذُ طُفُولَتِي كُلَّ الْقِطارَاتِ الَّتِي ...
مرَّتْ
سَرِيعًا كالسَّحابِ ولَمْ تَعُدْ ...
لمْ
يَبْقَ لِي إِلاَّ الْجِدارُ،
أَنامُ
أَوْ أَصْحُو علَيْهِ كَنبْتَةِ الْعُلَّيْقِ تحلُمُ بالسَّفَرْ
هذَا
الْجِدارُ !!
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire