لم يكن لي علم بأيّة تواريخ أو "مناسبات" تخصّ الآباء، هي تمرّ دائما
كالظّلال، لكنّها في السّنوات الأخيرة بدأت تأخذ مكانها بين الأعياد
"الاليكترونيّة"، فلا نكاد نجد لها ذكرا خارج الفضاء الأزرق...
الفايسبوك اليوم يفاجئني بغمزة خفيفة وتهنئة بعيد الآباء...
الحقيقة أنّني دائما أستحضر قصّة سيّدنا عيسى بن مريم عليه السلام، وأقول : لماذا اختار الله أن يضرب لنا مثلا نبيّا بدون أب، ولم يختر نبيّا بدون أمّ...
الإجابة في رأيي، لا تتوقف عند الضرورات الطبيعية للحمل والإنجاب، فخلقه كان معجزة، والمعجزة تستطيع أن تتّخذ أيّ شكل آخر ولا تحتاج إلى تبريرات من عالم الممكن والواقع...
الرّسالة التي فهمتها من ذلك، وتأكّدت لي لاحقا، أنّه يمكن للإنسان أن يعيش بلا أب، لكنه لا يمكن أن يعيش بلا أمّ... أبدا
تتملّكني الغيرة أحيانا، وأدافع عن صورة الأب أمام بناتي أو أمام تلاميذي، يقول لي أحدهم : "سيّدي : الأمّ تحملك في بطنها تسعة أشهر، فأقول له : والأب يحملك في قلبه وعقله وعينيه عمرا كاملا.." فيصمت، وتغلبه البلاغة، لكنّني أظلّ أرى في عينيه تلك الظلال التي لا تريحني، ظلال الشّكّ والخجل من مجادلتي طويلا في نفس الوقت...
في داخلي تنفجر نافورة من الذّكريات تأتي من أعماق قريتي، هناك حيث كان كثير من الآباء يعتبرون أنّ دورهم في العائلة يتوقّف عند حدّ الإنفاق، لم أر أبي يوما ينزع الشّوكة من رجلي، ولا ينفخ في عيني ليطيّر شائبة عالقة من الغبار... لم أره يتفقّد غطائي ولا يسأل إن كنت قد تعشّيت أو فرحت أو حزنت أو ضربني ابن الجيران أو شتمني أو ذهبت إلى المدرسة في ذلك اليوم أو لم أذهب...
أمّي كانت بالنسبة إليّ هي يد الله الممدودة دائما بالرّحمة والحياة، أتذكّر أنّني تعلّمت التّدخين في السّجن، وتعلّمت عادةَ أن لا أفطر صباحا، وأتذكّر كيف كانت تركض خلفي كلّ صباح، وفي يدها كأس القهوة وبيضة مسلوقة مقشّرة وهي تتوسّل إليّ "يا ابني.. خذ هذه على الأقلّ... لا تذهب على ريقك، خذها.. ما تتكيّفش على الخواء..."
تتبعني نصف الطريق، حتّى تيأس منّي، فتقف لحظات تشيّعني بعينيها، ثمّ تعود حزينة منكسرة..
أمّي مازالت إلى اليوم، كلّما رأتني أحمل شيئا ثقيلا، سلّة خضر أو قارورة غاز، تقبل عليّ بكلّ إصرار "هاتها.. إنّها ثقيلة عليك.." وتظلّ تنازعني وتتشبث بها كي تنتزعها من يدي، وفي ذهنها أنه محرّم عليّ أن أتعب مادامت هي على قيد الحياة...
أتذكّر جدّتي كذلك، كانت هي سقف البيت وجدرانه... تحرث وتزرع وتحصد وتفضّ النزاعات وتستخرج الأوراق من البلدية وتنازع في المحاكم وتزورنا كلّ خميس في مبيت المعهد الثانوي..
هذه الصور، جعلتني أشعر دائما أنه لا عيد إلاّ للأمّ، لا أجد أيّ معنى في عبارة "عيد الآباء".. إنّها عبارة ثقيلة وعارية وصفيقة، وخالية من أيّ إيحاء أو حميمية...
طبعا أنا أعرف أنّ هذا موقف متطرّف وانفعالي ومبنيّ على تجربة جزئيّة ربّما، ليست جزئية تماما على كل حال، في الواقع حكايات كثيرة تدعمها قليلا أو كثيرا... أعرف كلّ ذلك، ولكنّها خواطر... مجرّد خواطر... أو لعلّها كذلك...
في عيد الآباء... كلّ عام وأنت بألف خير يا أمّي... ثمّ أمّي... ثمّ أمّي... ثمّ أبي.
الفايسبوك اليوم يفاجئني بغمزة خفيفة وتهنئة بعيد الآباء...
الحقيقة أنّني دائما أستحضر قصّة سيّدنا عيسى بن مريم عليه السلام، وأقول : لماذا اختار الله أن يضرب لنا مثلا نبيّا بدون أب، ولم يختر نبيّا بدون أمّ...
الإجابة في رأيي، لا تتوقف عند الضرورات الطبيعية للحمل والإنجاب، فخلقه كان معجزة، والمعجزة تستطيع أن تتّخذ أيّ شكل آخر ولا تحتاج إلى تبريرات من عالم الممكن والواقع...
الرّسالة التي فهمتها من ذلك، وتأكّدت لي لاحقا، أنّه يمكن للإنسان أن يعيش بلا أب، لكنه لا يمكن أن يعيش بلا أمّ... أبدا
تتملّكني الغيرة أحيانا، وأدافع عن صورة الأب أمام بناتي أو أمام تلاميذي، يقول لي أحدهم : "سيّدي : الأمّ تحملك في بطنها تسعة أشهر، فأقول له : والأب يحملك في قلبه وعقله وعينيه عمرا كاملا.." فيصمت، وتغلبه البلاغة، لكنّني أظلّ أرى في عينيه تلك الظلال التي لا تريحني، ظلال الشّكّ والخجل من مجادلتي طويلا في نفس الوقت...
في داخلي تنفجر نافورة من الذّكريات تأتي من أعماق قريتي، هناك حيث كان كثير من الآباء يعتبرون أنّ دورهم في العائلة يتوقّف عند حدّ الإنفاق، لم أر أبي يوما ينزع الشّوكة من رجلي، ولا ينفخ في عيني ليطيّر شائبة عالقة من الغبار... لم أره يتفقّد غطائي ولا يسأل إن كنت قد تعشّيت أو فرحت أو حزنت أو ضربني ابن الجيران أو شتمني أو ذهبت إلى المدرسة في ذلك اليوم أو لم أذهب...
أمّي كانت بالنسبة إليّ هي يد الله الممدودة دائما بالرّحمة والحياة، أتذكّر أنّني تعلّمت التّدخين في السّجن، وتعلّمت عادةَ أن لا أفطر صباحا، وأتذكّر كيف كانت تركض خلفي كلّ صباح، وفي يدها كأس القهوة وبيضة مسلوقة مقشّرة وهي تتوسّل إليّ "يا ابني.. خذ هذه على الأقلّ... لا تذهب على ريقك، خذها.. ما تتكيّفش على الخواء..."
تتبعني نصف الطريق، حتّى تيأس منّي، فتقف لحظات تشيّعني بعينيها، ثمّ تعود حزينة منكسرة..
أمّي مازالت إلى اليوم، كلّما رأتني أحمل شيئا ثقيلا، سلّة خضر أو قارورة غاز، تقبل عليّ بكلّ إصرار "هاتها.. إنّها ثقيلة عليك.." وتظلّ تنازعني وتتشبث بها كي تنتزعها من يدي، وفي ذهنها أنه محرّم عليّ أن أتعب مادامت هي على قيد الحياة...
أتذكّر جدّتي كذلك، كانت هي سقف البيت وجدرانه... تحرث وتزرع وتحصد وتفضّ النزاعات وتستخرج الأوراق من البلدية وتنازع في المحاكم وتزورنا كلّ خميس في مبيت المعهد الثانوي..
هذه الصور، جعلتني أشعر دائما أنه لا عيد إلاّ للأمّ، لا أجد أيّ معنى في عبارة "عيد الآباء".. إنّها عبارة ثقيلة وعارية وصفيقة، وخالية من أيّ إيحاء أو حميمية...
طبعا أنا أعرف أنّ هذا موقف متطرّف وانفعالي ومبنيّ على تجربة جزئيّة ربّما، ليست جزئية تماما على كل حال، في الواقع حكايات كثيرة تدعمها قليلا أو كثيرا... أعرف كلّ ذلك، ولكنّها خواطر... مجرّد خواطر... أو لعلّها كذلك...
في عيد الآباء... كلّ عام وأنت بألف خير يا أمّي... ثمّ أمّي... ثمّ أمّي... ثمّ أبي.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire