mardi 28 juin 2016

من أراد أن تطول لحيته ، فليمشطها من أسفل


الغنوشي يحتفل بعيد ميلاده في باريس !!/ 
عنوان مثير ، مليء بالايحاءات والتّضمين ، لا يمكن قراءته دون أن تقفز إلى الذّهن مباشرة آلاف القطط والفئران لتلعب كلّها في صندوق النوايا المقعمزة في وقت واحد .. وكيف لا ؟ والموضوع ذو دلالة ورمزية عالية الشحن والتركيز ، وما العهد ببعيد .. عيد ميلاد سي الحبيب ..  3 أوت .. لكنّ الأمر هذه المرّة يبدو أشنع ... فالغنوشي رغم كل شيء ليس رئيس الدولة ، والغنوشي يحتفل بعيد ميلاده في باريس، مدينة الأنوار وبلد الجن والملائكة  ، بما يعني أنّه سافر خصّيصا لهذه الغاية .. يا للبذخ الرّشيديّ ( نسبة إلى هارون الرّشيد )   ، والغنوشي هو نفسه من كان ينصحنا منذ أيام بأن نزهد في الموز ، والغنوشي من قوم ، قيل ، إنهم لا يحتفلون بأعياد ميلادهم ..
فتحت الفيديو ، وكنت أعتقد أنني سأجد احتفالا ملكيّا ، في نزل 5 نجوم ، ومدعوّوين كثيرين من السلاطين و رجال الأعمال والمشاهير ، ومآدب تمتدّ على طول البلاط ، و فرقة وترية أو نحاسية أو حتّى كورال يغنّي له عيد ميلاد سعيد يا رشودة ، و كعكة أسطورية ذات طوابق ومعجونة بجوز الهند و فواكه السند وإعلاميّين ومطبلين ومصفقين وراقصات وراقصين ...
لا شيء من ذلك كلّه ... الرجل صادف عيد ميلاده وجوده في باريس تلبية لدعوة رسمية ، يعني زيارة وظيفيّة لا شأن لها بعيد الميلاد ... الفيديو طوله 37 ثانية ، مصور بكاميرا هاتف يدويّ بنوعية رديئة .. المكان ضيق و باهت كأية غرفة إقامة عادية ... الحاضرون ثلة تعد على أصابع اليدين من مرافقيه في هذه الرحلة ... الأضواء باهتة ... لا مراسم ولا بذخ ولا شماريخ ولا هدايا فاخرة ولا قاوق ولا حمص ولا زبيب ...
شنوة المشكلة مالة سيدي خويا ؟؟؟ لماذا كل هذه الضّجّة والتعاليق النافخة في مزامير إبليس ، وهذا يقول : " أرأيتم لماذا يجب أن نكف عن تناول البنان ؟ لكي يحتفل الغنوشي بعيد ميلاده في باريس ... والآخر يشنّع به ويذكّره أيام كان يهاجم بورقيبة لاحتفاله بعيد ميلاده ... "
اييه .. والفلوس منين جابهم ؟ زعمه من فلوس الدولة ؟؟ لا ماظاهرلي .. مالا فلوسك وإلاّ فلوس  بوك وإلاّ أمّك ؟؟ لا لا ... زعمه المصروف الكل يعمللنا صنبة أخرى كيما اللي عملها السبسي والغنوشي حرمنا منها ؟؟ لا لا ... ما لا ينجم يجيبلنا  "كيا" كيما متع حمّه والغنوشي بغضنا فيها ...
.. أين المشكلة ؟؟ أليس من حقّه ( كأيّ بشر عادي وحتى زوالي ومزمّر ) أن يكون من أهله وأبنائه وصحبه  من يحتفل بعيد مولده ويرجو له عمرا سعيدا ومديدا ؟؟
لا يا سيدي ... موش من حقّو... لأنّه خوانجي .. بل هو زعيم الخوانجية ... ولأنّ حمّه يتقلّق ، ولأنّ إعلام حمّه يتقلّق ، ولأنّ الغوغاء اللّي يخدّم فيهم بالتليكوموند إعلام حمّه يتقلقوا ، هوما أصلا مثقّل عليهم بوجودو على قيد الحياة ، فكيف يقبلون أن يحتفل هذا البشر بحقه في الحياة ؟
عكس ما يتبادر إلى أذهان البعض .. لا يوجد شيء عفويّ .. هناك منطق كامل يحكم الأشياء ، وهناك خيط ناظم بين هذه الأشياء التي تبدو لنا تافهة ، وبين المنطق العام الذي يعيش به الناس في هذا المجتمع ...
من أراد أن تطول لحيته ، فليمشطها من أسفل ...

صراع الجواري في الحرملك العثماني


بعض العرب يتصرّفون إزاء الموضوع التركي الإسرائيليّ كما تتصرّف العشيقة المخدوعة ، التي تركها عشيقها و عاد ليتصالح مع زوجته 
وبعضهم يتصرّف إزاءه كما تتصرّف الزّوجة الثانية ، يقولون لها إنّ زوجك خانك ، فتقول : إنّه حقّه الشّرعيّ ، فليأت بالثالثة والرّابعة ... 
إذا كان في شعوبنا هذا القدر من السّذاجة والنفاق في آن واحد ، فنحن فعلا أمّة استثنائية 
النفاق يصرخ ويعوي ، حين تجد الناس ينقدون ما نص عليه الاتفاق من عودة إلى التعاون العسكري مع إسرائيل ( الذي هو تعاون حقيقي بين ندّين وفقا لمصالح مشتركة ) ، في حين أنّ السلطة الفلسطينية يقوم مبرر وجودها الوحيد على هذه الغاية ، التعاون الأمني مع إسرائيل ،( لكنه في هذه الحالة يعني العمالة الكاملة والخدمة الطوعية المجانية ) .. هذا يغنينا عن الحديث عن مصر وسوريا و كل مزارع القطن العربي المتصهينة ...
تركيا ليست دولة الخلافة التي يتوهّمها اليائسون ، وأردوغان ليس صلاح الدين ، ولم يدّع يوما أنه جاء لتحرير القدس... والعصر ليس عصر الفرسان الخارقين الّذين يضربون الجبل بالسيف فيتطاير كِسَفا ... 
المصالح الاستراتيجية بين إسرائيل وتركيا تعود إلى عقود ، إلى ماقبل أردوغان وستبقى إلى ما بعد أردوغان ، ويتقاطع فيها السياسي مع العسكريّ مع الاقتصاديّ إلى حدّ لا تنفع معه الخيارات الفردية لهذا الزعيم أوذاك ، إلاّ بشكل محدود وعارض وظرفيّ ...
تركيا دولة تقوم على روح الأمّة ، مثل إيران ، وهذا النّوع من الدّول نجده يساوم في كلّ شيء إلاّ في مصالحه الحيوية العليا ، وهذا ليس ممّا يؤخذ على تركيا ، بل ممّا يحسب لها ، وحدهم العرب مازالوا يتصرّفون كقبائل وعشائر و " بطون " وأفخاذ" ... 
العرب مازالوا يتصرّفون ، من الجانبين ، كاليتامى ... يتامى إلى شخص الزّعيم الّذي يظنّون أنه قادر على أن يغير المصائر و يدير رحى الأحداث بمحض إرادته ، نفس العقليّة العقيمة الشخصانية القائمة على عبادة الأفراد والتعامل معهم كظواهر تاريخية حاسمة ، و هذا ما جعل الجميع يركّزون كل نواحهم ونباحهم حول شخص " أردوغان " وليس حول الدولة التركية ، يظنّون أن الأمور كما هي عندهم ...
أردوغان رفع شعارات كثيرة تخصّ القضية الفلسطينية ونصرة غزة ، وذهب إلى حدّ اشتراط الرفع الكامل للحصار عن غزة قبل العودة إلى التطبيع ... صحيح ... 
لكنّ الشعارات في عالم السياسة هي عملة ( بقطع النظر عن مصداقية تلك الشعارات ) ،عملة يتمّ صرفها وفق المصالح العليا للبلدان ، فتهوي قيمتها كالدينار التونسي إذا كانت بلا رصيد ، وتعلو كالليرة التركية إذا كانت تحسب وتوازن و تقرأ المستقبل ... 
لو خصص العرب نصف الوقت الذي يخصصونه لمناقشة قضاياهم عوض مناقشة قضايا الآخرين ، لصدق فيهم قوله .. ولكن ... 
أيها العرب ... كفوا عن صراع الجواري في الحرملك العثماني 


mardi 21 juin 2016

لا تخجلوا منّا ، وأنتم تعلنون عن الطوارئ ـ تدوينة ـ

إعلان حالة الطّوارئ مجدّدا .. ماذا يعني ؟؟
عمليّا نحن منذ ما سمّي بـ " الاستقلال " ، ونحن نعيش في حالة طوارئ مستمرّة غير معلنة و غير محدّدة بآجال ...
الطوارئ تعني أساسا تعطيل العمل بالدستور ، بما يفضي إلى استلاب الحريات و إسقاط أية ضمانات قانونيّة في تعامل أجهزة الدولة مع المشبوهين ، ( والمشبوهون ليسوا متّهمين ـ على فكرة ـ والمتّهمون ليسوا مدانين ما لم تثبت عليهم التّهمة ـ على فكرة أخرى ـ ) فهل غادرنا يوما هذا الوضع ، وهل كانت القوانين إلاّ حججا ومسوّغات مشروعة لخرق القوانين ؟؟
كلّ الشّعوب العربيّة ، منذ 60 سنة على الأقلّ ، ولدت وترعرعت وتربّت وشبّت وشابت في ظلّ قوانين الطّوارئ السارية ، سواء كانت معلنة مثل مصر وسوريا و العراق ، أو غير معلنة مثل باقي المملوكيّات العربيّة ... يعني أكثر شعوب العالم تلقيحا ضدّ قوانين الطّوارئ هم العرب ، وحين ترفع لفترات استثنائيّة في حياتنا الطارئة ، نشعر بنقص وجوديّ حادّ ( نطيحو مُونْكْ ) ونحشّشوا ، ونولّوا نعملوا طوارئ وحدنا في البيت أو العمل ...
لذلك لا تخجلوا منّا ، وأنتم تعلنون عن الطوارئ من جديد ، ولا تحاولوا أن تفسّروا لنا أيّ شيء ، ولا تسألونا عن رأينا أو أحاسيسنا ، وهل نعرف أحاسيسنا أكثر من الدولة التي ولدتنا وربّتنا وعجنتنا وخبزتنا ؟؟ ...
بالمناسبة ... يا ريت تفكّرولنا في طوارئ اقتصادية ، وأخلاقيّة وقيميّة ، وطوارئ ضدّ الفساد و الترهدين وطوارئ ضدّ الطّوارئ .. لأنّ كل ما في حياتنا اليوم أصبح طارئا من الطوارئ

lundi 20 juin 2016

من الصّعب جدّا أن نشعر أنّنا "الكلنا توانسة" ـ تدوينة

الأولى صفاقس : 43,55
الأخيرة : القصرين : 11,41
بينهما مسافة 60 سنة من النسيان والحقرة واليتم ...
لست في حاجة إلى علماء اجتماع كي تفهم
الفقر لا يبقى مجرّد حالة اجتماعيّة... إنّه يتحوّل بالتّدريج إلى ثقافة وحالة نفسية وعاهة وإعاقة ذهنيّة ووجوديّة.
إجرام بورقيبة في حقّ الدّواخل فاق إجرام الاستعمار...
لن يفهمها أبناء السّواحل...
و لن يفهمها جماعة "الكلنا توانسة"...
إنّنا نهنّئهم ونعتزّ بهم ولا ندينهم،... لكنّنا من الصّعب جدّا أن نشعر أنّنا "الكلنا توانسة"، ولو لبعض الوقت...
ندين من جعلنا شعبين متوازيين لا يلتقيان أبدا، إلاّ كسيّد وخديم.
حزين من أجل بلد، يطعم البعض من أبنائه بملعقة من ذهب، ويطبخ الحصى للبعض الآخر...
عندما نحلّل الأرقام، ونكشف حتّى للأعمى التفاوت الكافر بين الجهات، فهذا لا يعني أنّنا جهويّون أو أنّنا نثير النعرات الجهوية...
صفاقس عزّ وفخر لنا جميعا وكذلك كل شبر من تراب الجمهوريّة...
لكنّ العدل لم يتحقّق يوما بين الجهات، ومن كان يؤمن بوطن واحد فعلا فعليه أن يكفّ عن تجريم كلّ من يندّد بهذا الوضع ويضع تحته ألف سطر بالاحمر...
الجهويّون الحقيقيّون هم الذين يسعون إلى التعمية عن هذا الوضع وتأبيده وتغطية الجرائم التاريخية التي ارتكبت طيلة ستين سنة تحت هذا العنوان.
تسمية الأشياء بمسمياتها يستوجب الشجاعة، وليس مجرد ترديد الفلكلور الاعلامي المتوارث.

مثال عن القياس الفاسد ـ تدوينة

بعضهم يحاججك بما يلي : التّفاوت الجهوي والتّهميش والفقر أشياء لا علاقة لها بالنّجاح أو الفشل الدراسيّ ، بدليل أنّ هناك من الأغنياء من ينجب فاشلا ومن الفقراء من ينجب ناجحا ..
من قال غير ذلك ؟
هذا القياس يذكّرني بالحجّة التي يدمغني بها دائما أبي حين أحدّثه عن مضار التدخين ، يقول لي : انظر فلان يدخّن منذ 50 عاما ومازال يعيش بصحة جيدة ، والآخر لا يدخن ويمارس الرياضة وتوفي بالسكتة القلبية وهو في عزّ الشباب ، ثمّ يستنتج تبعا لذلك أنّ التّدخين لا دخل له في المرض ولا في الموت أو الحياة ... 
هذا القياس فاسد لأنه يسحب الخاص على العام ، ويجعل القاعدة استثناء والاستثناء قاعدة 
والواقع أنه من غير المجدي أن أضيع الوقت في شرح العلاقة بين الفقر والتهميش من جهة والفشل الدراسي من جهة أخرى ... إذ أن شرح الواضحات من الفاضحات ... وكم كثرت فضائحنا 


في عيد الآباء... كلّ عام وأنت بألف خير يا أمّي ـ تدوينة

لم يكن لي علم بأيّة تواريخ أو "مناسبات" تخصّ الآباء، هي تمرّ دائما كالظّلال، لكنّها في السّنوات الأخيرة بدأت تأخذ مكانها بين الأعياد "الاليكترونيّة"، فلا نكاد نجد لها ذكرا خارج الفضاء الأزرق...
الفايسبوك اليوم يفاجئني بغمزة خفيفة وتهنئة بعيد الآباء...
الحقيقة أنّني دائما أستحضر قصّة سيّدنا عيسى بن مريم عليه السلام، وأقول : لماذا اختار الله أن يضرب لنا مثلا نبيّا بدون أب، ولم يختر نبيّا بدون أمّ...
الإجابة في رأيي، لا تتوقف عند الضرورات الطبيعية للحمل والإنجاب، فخلقه كان معجزة، والمعجزة تستطيع أن تتّخذ أيّ شكل آخر ولا تحتاج إلى تبريرات من عالم الممكن والواقع...
الرّسالة التي فهمتها من ذلك، وتأكّدت لي لاحقا، أنّه يمكن للإنسان أن يعيش بلا أب، لكنه لا يمكن أن يعيش بلا أمّ... أبدا
تتملّكني الغيرة أحيانا، وأدافع عن صورة الأب أمام بناتي أو أمام تلاميذي، يقول لي أحدهم : "سيّدي : الأمّ تحملك في بطنها تسعة أشهر، فأقول له : والأب يحملك في قلبه وعقله وعينيه عمرا كاملا.." فيصمت، وتغلبه البلاغة، لكنّني أظلّ أرى في عينيه تلك الظلال التي لا تريحني، ظلال الشّكّ والخجل من مجادلتي طويلا في نفس الوقت...
في داخلي تنفجر نافورة من الذّكريات تأتي من أعماق قريتي، هناك حيث كان كثير من الآباء يعتبرون أنّ دورهم في العائلة يتوقّف عند حدّ الإنفاق، لم أر أبي يوما ينزع الشّوكة من رجلي، ولا ينفخ في عيني ليطيّر شائبة عالقة من الغبار... لم أره يتفقّد غطائي ولا يسأل إن كنت قد تعشّيت أو فرحت أو حزنت أو ضربني ابن الجيران أو شتمني أو ذهبت إلى المدرسة في ذلك اليوم أو لم أذهب...
أمّي كانت بالنسبة إليّ هي يد الله الممدودة دائما بالرّحمة والحياة، أتذكّر أنّني تعلّمت التّدخين في السّجن، وتعلّمت عادةَ أن لا أفطر صباحا، وأتذكّر كيف كانت تركض خلفي كلّ صباح، وفي يدها كأس القهوة وبيضة مسلوقة مقشّرة وهي تتوسّل إليّ "يا ابني.. خذ هذه على الأقلّ... لا تذهب على ريقك، خذها.. ما تتكيّفش على الخواء..."
تتبعني نصف الطريق، حتّى تيأس منّي، فتقف لحظات تشيّعني بعينيها، ثمّ تعود حزينة منكسرة..
أمّي مازالت إلى اليوم، كلّما رأتني أحمل شيئا ثقيلا، سلّة خضر أو قارورة غاز، تقبل عليّ بكلّ إصرار "هاتها.. إنّها ثقيلة عليك.." وتظلّ تنازعني وتتشبث بها كي تنتزعها من يدي، وفي ذهنها أنه محرّم عليّ أن أتعب مادامت هي على قيد الحياة...
أتذكّر جدّتي كذلك، كانت هي سقف البيت وجدرانه... تحرث وتزرع وتحصد وتفضّ النزاعات وتستخرج الأوراق من البلدية وتنازع في المحاكم وتزورنا كلّ خميس في مبيت المعهد الثانوي..
هذه الصور، جعلتني أشعر دائما أنه لا عيد إلاّ للأمّ، لا أجد أيّ معنى في عبارة "عيد الآباء".. إنّها عبارة ثقيلة وعارية وصفيقة، وخالية من أيّ إيحاء أو حميمية...
طبعا أنا أعرف أنّ هذا موقف متطرّف وانفعالي ومبنيّ على تجربة جزئيّة ربّما، ليست جزئية تماما على كل حال، في الواقع حكايات كثيرة تدعمها قليلا أو كثيرا... أعرف كلّ ذلك، ولكنّها خواطر... مجرّد خواطر... أو لعلّها كذلك...
في عيد الآباء... كلّ عام وأنت بألف خير يا أمّي... ثمّ أمّي... ثمّ أمّي... ثمّ أبي.

لا يكفي أن يكون الحقّ معك، كي تكون على حقّ ـ تدوينة

أنا لا أعرف من المخطئ ومن المصيب ؟ عون البريد بتوزر أم عون المحكمة ؟ ...
وقد لا يهمني كثيرا أن أعرف حين تتطور الأمور بمثل ما تطوّرت إليه، لأنّ المشكلة، حينئذ، تكفّ عن كونها مشكلة فلان أو زيدان، ولا يبقى مهمّا بعد ذلك أن تعرف من الذي كان على صواب ومن الذي كان على خطإ... المشكلة تتحوّل إلى مستوى آخر، وتأخذ أبعادا غير أبعادها الأولى...
صورة الوضع اليوم هي أنّ هناك عصابة بلطجيّة، تسمّي نفسها نقابة، تريد أن تنفذ ما تراه قانونا أو حقّا أو سمّه ما تسمّيه.. بالذّراع، بالقوّة والبلطجة وارتهان مصالح الناس وتركيع الدولة...
صورة الوضع اليوم أنّنا أصبحنا في دولة مافيات نقابيّة، كل قطاع يقع في مواجهة مع جهاز من أجهزة الدّولة، يتملّح منها ويفرض قوانينه الخاصّة بوسائله الخاصّة... في الميدان.
صورة الوضع أنّنا أصبحنا بلا مؤسسات تفصل في النزاعات التي تطرأ بين مختلف مصالح الدّولة، وأصبحت الوسيلة الوحيدة لذلك هي المواطن.. الأقوى هو الذي يمسك برقبة المواطن أكثر من غيره، هو الذي يستطيع أن يوجعه أكثر من غيره، لكي يوجع به يد الحكومة (والحكومة في الحقيقة لا شيء يوجعها من هذا أو ذاك)...
لا يكفي أن يكون الحقّ معك، كي تكون على حقّ...
حين يكون معك الحقّ، وتريد أن تفرضه بغير الوسائل القانونية المشروعة، تصبح على باطل، وتصبح مجرّد بلطجيّ يريد أن يفرض إرادته على الناس بليّ الذّراع...
(هذا توضيح بسيط لبعض من قرأت لهم في مساندة العصابة النّهّابة النّقّابة)
أنتم تربّون وحشا سوف يفتك بكم جميعا، واحدا تلو آخر.

مولد وصحبو غايب ـ تدوينة

تدخل الفايسبوك فتجد " حضْبَهْ " هنا و" حضْبَهْ " هناك ، وكل حضْبَهْ لاهيهْ في ذبيحتها ...
الدكاترة العظام والأكاديميّون عندهم حضبتهم الخاصّة ، لا يجمجمون إلاّ لبعضهم ولا يعلّقون إلاّ لبعضهم حفاظا على البرستيج والكاريزما ... وحتّى إذا تدخّل مواطن " مزمّر " ليناقش طرحا أو فكرة ما ينظرون إليه من عليائهم في اشمئزاز ويستمرّون في شأنهم ، وقد لا يسلم الأمر من عبارة احتقار فسبّة فبلوك ... الشعراء عندهم حضبتهم ، في الغالب تكون حول نصّ تافه من هنا أو من هناك ، وخاصة إذا كان لأنثى ... تتقاطر الجامات والتعليقات الرديئة المتهافتة والمجاملات السمجة التي هي أقرب إلى المغازلات المقنّعة ، ... وهي حلقة مغلقة ، نفس المجموعات المدموغة بطابع ايديولوجي أو مصلحيّ  انتهازيّ مشترك تجدها هنا وهناك ، يتبادلون الجامات و النفاق اللّزج الأخضر ، والمتسلّفة مردودة ...
العشّاق يتأوّهون و يطيّرون القلوب والدموع و الأقوال المأثورة لنور و مهنّد و( ما نعرفهمش البقية .. ثقافتي في هذا الباب وقفت هنا وتجاوزتني الأحداث بسنوات ضوئية ، آما نرى في تصاورهم مبللة بالدموع والنظرات الساهمة و الهمّ الأزرق ) ... مراهقو السياسة يتجمعون في أحزاب وكنتونات افتراضيّة ليتبادلوا تحاليلهم العميقة حول كل عطسة وكل كحّة وكل ضرطة لفلان أو خيبان ... المتدينون والمتدينون المتربصون والدّواعش الناشئون اللي مازالوا يعملوا في سطاج تلقاهم شادّين قول لهذا وذاك وتلك و للاّأحد ، كي يعيدوه إلى الطريق المستقيم بالتي هي أحسن ، فإن لم ينفع فبالتي هي أسوأ ... المطلّقات أو الواقفات على أعتاب سنّ اليأس يتحلّقن حول صور الأثاث والديكور الجميل وأقفاص الطيور  و الحليّ و الأطعمة بكلّ أنواعها ، و يقضين الوقت في الحديث عن الوحدة وأيام الزمن الجميل ... الكوارجية ( هذوما ما قابل منهم حد ، لذلك لا أمرّ بهم ولا يمرّون بي )
الفلاسفة والمفكرون الكبار  ( مثل أبي يعرب وأبي عقرب  ) يقومون بغارات خاطفة من حين لآخر على كل هؤلاء مجتمعين ، ثمّ يعودون إلى قواعدهم سالمين على قمّة برج المدينة الفاضلة
ومارك يحتفل قريبا بأنّه رئيس أكبر دولة في العالم ( ولو كانت افتراضية ) سيبلغ تعداد شعبها المليارين ...
الحاصيلو ... " مولد وصحبو غايب " كما يقول العلاّمة أحمد عدويّه قدّس الله سرّه ...


jeudi 16 juin 2016

تَحِيَّــــــــــــــــــهْ .. !


كائِنًا مَنْ كنتَ يا مَنْ لاَ ترانِي ...
أَنا لاَ أَذْكُرُ مَنْ أَنتَ ولا أَعْرِفُ اِسْمَكْ ..
رَبَّما كُنتَ صديقًا مُحْتَمَلْ!
أَوْ رُبَّما كُنتَ عَدُوًّا مُخْلِصًا منذُ سِنِينَ ...
أوْ نَبِيًّا ...
أَو شَقِيًّا هامِشِيًّا ...
أَو بَطلْ .. !
لاَ شيءَ يَعنيني سوى أَنّكَ لَمْ تُلْقِ التَّحِيَّهْ !
كلُّ ما يُحزنني اليومَ، وإنْ كابَرْتُ، أَنّا ...
سوفَ نَحيا فوقها ما سوفَ نَحْيا ...
ثُمَّ نَمْضِي ...
دونَ أَنْ نُلْقِي التَّحيَّهْ .. !

دَورةٌ كامِلَهْ


حِينَ دارَ بها العُمْرُ دَورَتَهُ الْكامِلَهْ
لَمْ تَكُنْ جدَّتِي قَدْ أَتَمَّتْ شُؤونَ الْحياةِ كَما تَشْتَهِي
وَرَأيْتُ لَها سِحْنةً، لا تُبَدِّلُها سَكْرةُ الْمَوتِ، لَكنَّها ..
كانَ يَشْغَلُها ما تَبَقَّى على ساعِدِ الأَرْضِ،
مِنْ خَيْمَةِ الْعائِلَهْ !
شَخَصتْ في الْفراغِ بِعينَينِ زائِغَتينِ وقالَتْ:
 " أَنا رَاحِلَهْ! "
يَا بَنِيَّ اسْحَبُونِي بِرِفْقٍ إِلى قِبْلَتِي وَانْهَضُوا ..
رَتِّبُوا الْبَيْتَ، لاَ وَقْتَ يا فِتْيَتِي للْبُكاءِ
سَيَأْتِي الْمُعزُّونَ بَعْدَ قَلِيلٍ،
فَصُفُّوا الْكَراسِي وَلاَ تَغْفَلُوا عَنْ طعامِ الدَّجاجِ وَلاَ ..
ثُمَّ أَرْخَتْ على مَهلٍ رَأْسَها واسْتَراحتْ ..
كَنَرْجَسَةٍ ذابِلَهْ!
لَمْ أَكُنْ أَتَصوَّرُ يَومًا ..
بِأَنّهُ يُمْكِنُ أَنْ تَفْرَغَ الأَرْضُ مِنْ ظِلِّها ..
أَوْ تَطِيرَ إِلَى عالَمٍ لاَ أَراهُ!
وَكُنتُ أَظُنُّ بِأَنَّ يَديْها يَدُ اللهِ حَوْلِي
وأنَّ الْخُطَى حينَ تمْشِي ... خُطاهُ!
وكانتْ كما السِّنْدِيانةُ في ساحةِ الْبيْتِ،
لَمْ تَسْقُطِ السِّنْدِيانةُ، لكنَّها سَقَطَتْ ..
وَرَأَيْتُ على خدِّها دَمْعةً نازِلَهْ ..
جدَّتِي لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ الْموتَ وجهًا لِوَجْهٍ ..
ولاَ فَكَّرَتْ أَيْنَ يَمْضِي بِها، أَوْ لِماذا؟ ..
ولَكِنّها لَمْ تَكُنْ -رغْمَ ذلِكَ – عَنْ سَهْمِهِ غَافِلَهْ!
هِيَ تَعْرفُ أَنَّ الْحَياةَ الَّتِي لاَ تُوَرَّثُ
لَيْسَتْ سِوى بُرْهةٍ زائِلَهْ!
غابَ عَنْها الْكَثيرُونَ ..
واسْتَغْرقَتْ في معارِكِها الْحَيَويَّةِ،
مُنذُ ثمانينَ عامًا ...
تُزَوِّجُ أَبناءَها وشُوَيْهاتِها
وَتَعُدُّ فِراخَ الدَّجاجاتِ كُلَّ مَساءٍ ..
تُنِيمُ الصِّغارَ على رُكْبَتَيْها كَراهِبَةٍ،
وتُحدِّثُهُمْ عنْ حَماقاتِ آبائِهِمْ فِي سِنِيِّ الطُّفُولةِ،
تَبْكِي لأَحْزانِ جارَاتِها، وَتُخاصِمُهُنَّ بِلا سَبَبٍ ..
تتَحدَّى كَنائِنِها، وتُذكِّرُهنَّ بِلا سَببٍ
أَنَّها لاَ تَزالُ كَعادَتِها دائِمًا،
 رَبَّةَ الْبَيتِ، أُمَّ الرِّجالِ .. !
وأَنَّ لَها – رَغْمَ ما كانَ مِنْ مَكْرِهِنَّ ومِنْ كَيْدِهِنَّ –
يَدًا طائِلَهْ!
جدَّتِي أَثْخَنَتْها الْحُرُوبُ الصَّغيرَةُ، لَكِنَّها ..
رَبِحَتْ فِي النِّهايَةِ، كُلَّ الْحُرُوبِ الْكَبِيرَهْ ..
وظَلَّتْ علَى العَهْدِ
واقِفَةً في الْعراءِ بِوَجْهِ الرِّياحِ،
فَلَمْ تَقْتَلِعْ خَيْمَةَ الْعائِلَهْ !
مَرَّ ذاكَ الزّمانُ،
وَدارَ بها الْعُمْرُ دَوْرَتَهُ الْكامِلَهْ ..
هَا هِيَ الْيَومَ تَرْقُدُ بينَ يَدَيْ رَبِّها في سَلامٍ ..
تمامًا كما كانَ يبْدُو لَها عالَمُ الْمَوْتِ دَوْمًا ..
سُباتٌ عَمِيقٌ عَمِيقٌ ..
وحُلْمٌ يَطُولُ ولاَ يَنْتَهِي ...
يَرْتَقِي للسَّماءِ ..
فَتَفْتَحُ شُبَّاكَها وتُطِلُّ على البَيْتِ،
تَكْنُسُ باحَتَهُ،
وَتَرُدُّ الْغِطاءَ على الصِّبْيَة النَّائِمِينَ ..
تُدِيرُ الرَّحَى ...
وتُسَرِّحُ قبْلَ الشُّرُوقِ شُوَيْهاتِها ...
تتَفَقَّدُ قُنَّ الدَّجاجِ، وتَمخُضُ شَكْوَتَها ...
تِلْكَ كانتْ على الدَّومِ جَنَّتَها ..
في السَّماءِ أَوِ الأَرْضِ،
تَبْعُدُ يَومًا ... وتَقْرُبُ يَوْمًا، ولَكِنَّهَا ...
لَمْ تَكُنْ جَاهِلَهْ ...!
كُلُّ ما كَانَ يَعْنِيهِ سِرُّ الْحَياةِ لَها ...
هُوَ قَطْعًا فقَطْ:

خَيْمَةُ الْعائِلَهْ ! !

الْجدارُ الأَزْرقْ


( أو  ... في  دولة الفايسبوك )
هَذا الْجِدارُ،  ..
ولَسْتُ أَعْرِفُ كيْفَ أَصْبَحَ لِي رَفيقًا دائِمًا،
هذا الْجِدارُ ..
هَجَرْتُ عاداتِي إِلَيْهِ،
هَجرْتُ لَغْوَ الشَّاشَةِ الْكُبْرَى ...
وجيرَانَ النَّدامةِ،
والرُّفُوفَ الْمُثْقَلاَتِ بِأَرْخَصِ الْكُتُبِ الْحَزِينةِ،
والرِّفاقَ العاطِلِينَ الْعالِقِينَ كما الْمَسامِيرُ الْقَدِيمةُ في كَراسِيِّ الْمَقَاهِي ...
صارَ بينِي، حينَ تَرْتَعِشُ الْقُلوبُ، وبينَهُمْ ...
هذَا الْجِدارُ .. !
أَنا الْمُهاجِرُ، رَاسِفٌ في غُرْفَتِي الْمَقْرُورةِ الْعَمْياءِ،
في بيْتٍ وَطِيءٍ مُرْطِبٍ،
في شارِعٍ لا يَحْفَظُ الأَسْمَاءَ، مُزْدحِمٍ كَبيضِ النَّمْلِ،
في حيِّ الْهُنودِ السُّمْرِ، في ظَهْرِ الْمدينةِ،
في بلادٍ فوقَ خطِّ الاسْتواءِ وَ تَحْتَ خطِّ الانْحِناءِ ..
أَنا الْمُحاصَرُ والْحِصارُ،
وَمَنْ أَنا .. ؟
أَعلنْتُ ممْلَكَتِي أَنا مِنْ جِلْدِ ثَورٍ، لا حُدودَ تَحدُّها ..
واخترْتُ شَعْبِي مِنْ جمِيعِ قبائِلِ الدُّنْيَا،
بِجِنْسيَّاتِهِمْ، و لُغاتِهِمْ ..
دَرْبِي أنا الْكُوسْمُوسُ كُلُّهُ، لاَ الْمَضارِبُ وَ الدِّيارُ ..
وَمَنْ أَنا .. ؟
هذَا الْجِدارُ ...
دَمِي عليْهِ وَ شَهْوَتِي، وَ غريزَةُ الذِّئْبِ الْوَحيدِ ..
مُغَرِّدًا أَعْوِي إِذا جنَّ السُّكُونُ وأَثْلَجَتْ قَدَمايَ،
صَمتٌ حالِكٌ، وحفيفُ أَفْعًى في الْفِراشِ،
أَنُطُّ منهُ كَأَرْنَبٍ مَذْعُورةٍ،
وأَدُورُ حوْلِي خائِفًا ...
فَيكادُ يَصْعَقُنِي الدُّوارُ ..
هُنا الْجِدارُ ...
تَحُطُّ قُبَّرةٌ على بَابِي وتَنْقُرُ نَقْرَتَيْنِ ...
أَقُولُ: مَرْحَى ...! هَلْ تُرِيدِينَ الغِناءَ؟
تَقُولُ: دَثِّرْنِي!  .. أَنا مَقْرُورَةٌ جِدًّا ...
فَأَفْتَحُ مِعطَفِي الْبَالِي، وَ تَخْلعُ رِيشَها ..
وتنامُ عارِيةً إِلى أَنْ يَنْضُجَ اللّيلُ،
ويَفْضَحَها النَّهارُ!
هُنا الْجِدارُ ..
أَخُطُّ مِنْ حينٍ لآخرَ بَعْضَ أَشْعَارِي ..
وأَكْتُبُ عنْ هُمُومِ النَّاسِ،
يا نَفْسُ ارْحَمِينِي مِنْ هُمُومِ النَّاسِ ..
صِرْتُ بِلاَ أَنا ..
أَشْتاقُ نَفْسِي كُلَّما غَنَّى حَلِيمُ، وأَدْمَعَتْ عينُ السَّحابِ،
وكُلَّما ضَحِكَ الصِّغارُ!
وَمَنْ أَنا ..؟
الافْتِراضيُّ الَّذي غَنَّى مَعي ..
لكنّنِي مهما بَكَيْتُهُ لا يُكَفْكِفُ أَدْمُعِي .. !
حَوْلِي كَثِيرٌ مِنْ مَجانِينِ الْبِلادِ، وَ رُبَّما حُكَمائِها ..
وَكلاَبِها وَ جِرائِهَا ..
ومُوَظَّفِيها الفاسِدِينَ، وَباعَةِ الْوَهْمِ الْجَمِيلِ،
وَشُرْطَةِ الأَحْلامِ والْمُتَشَعْوِرِينَ وَ غَيْرُهُمْ ..
حَوْلِي نِساءٌ صالِحاتٌ، رُبَّما، أَوْ فاسِداتٌ، رُبَّما، ..
مُتَعوِّداتٌ دائِمًا ومُناضِلاتٌ بالضَّرُورةِ،
هكذَا قالَ الزَّعِيمُ ... إلَخْ .. إِلَخْ ..
حَوْلِي القَذارَةُ والْبَذَخْ!
هُمْ بَعْضُ حاشيَتِي،
وما ضَاقَ الْجِدارُ بِهِمْ كمَا ضَاقَتْ بِأَهْلِيهَا الدِيَارُ
بَسِيطةٌ، كَمْ أَنتِ أَيَّتُها الْحياةُ ومُوجِعَهْ! !
تُبْدِينَ أَوْ تُخْفِينَ آلافَ الْوُجُوهِ بِخِفَّةٍ،
وَتُبَدِّلِينَ الأَقْنِعَهْ !
أَنْتَ النّبِيُّ الْمُسْتَعارُ ...
تَكُونُ وَهْمًا .. أَوْ تَكُونُ حقِيقَةً .. !
لاَ شيْءَ تَخْسَرُ مُطْلَقًا ..
لاَ شَيْءَ غيرَ حذائِكَ البَالِي علَى أَسْوارِ عَكَّةَ،
نَقْرَةٌ تَكْفِي لِتَدْخُلَ أَرْضَ كنْعانَ الْقَدِيمةَ فاتِحًا،
هِيَ نَقْرَةٌ ...
وتَصيرُ ظِلَّ اللَهِ فوْقَ الأَرْضِ،
تَقْضِي بالّذي يَقْضِي هُنَا ..
فَتَقُولُ هَذا دَيِّنٌ .. !
وَتَقُولُ هذا كافِرٌ .. !
وأَراكَ تَدْعُو خلفَ ظَهْرِهِ وَهْوَ مَغْلُولُ الْيَدَيْنِ،
أَراكَ تَسْحَبُ خِنْجَرَ التَّقْوَى فَتَذْبَحُهُ ..
وتَذْبَحُنِي مَعَهْ!
وأَراكَ عَيْنًا دَامِعَهْ ...
وأَراكَ شَيْخًا واعِظًا وَرِعًا
يُجَلِّلُهُ الْوَقَارُ!
أَرَاكَ قِرْدًا عاشِقًا شَبِقًا على حبْلِ الْحضَارَةِ، عابِثًا ..
تُحْيِي غَرائِزَكَ الْقَدِيمَةَ كُلَّها باسمِ الْحضارَةِ،
تَدَّعِي ما تَدَّعِي باسْمِ الْحَضَارَةِ،
وَالْحضارَةُ لَيْسَتِ امْرأَةً لِتُسْأَلَ عنْ بكارَتِها .. !
وليْسَتْ في بِلادِ الرَّمْلِ أَكْثَرَ مِنْ طِلاءٍ للأَظافِرِ،
أَوْ ثَقافَةِ دَوْلَةٍ في تِكْنُلُوجْيَا الْقَتْلِ والتَّعْذِيبِ،
أَوْ واقٍ ذُكُورِيٍّ ...
فَقُلْ لِي: هَلْ تَغَارُ ؟؟
كَأَيِّ قِرْدٍ ناطِقٍ رَكِبَ الْحَضَارَةَ،
هَلْ تَغَارُ ؟؟
هُنا الْجِدارُ ..
ورُبَّما سَيَعِيشُ بَعْدكَ ما يَعيشُ،
سنِينَ أُخْرَى ... رُبَّمَا ..
ويَظلُّ يَنْطِقُ بالّذي قدْ كانَ عارًا،
خالِدًا يَتْلُوهُ عارُ ...
ولَسوفَ يَبْقَى مثْلَ عُودٍ نابِتٍ في ظَهْرِكَ المَكْسُورِ،
أَوْ بِئْرٍ مُعطَّلةٍ،
ومثْلَ سَفينةٍ غَرِقَتْ، أَوِ امْرأَةٍ مُطَلَّقةٍ،
وَقبرٍ لاَ يُزَارُ ..
ولَسوفَ يَبْقَى شَاهِدًا عمّا اقْتَرفْتَ من الجُنُونِ،
أَو النُّباحِ الافتراضِيِّ الْمُباحِ،
فلاَ تَبِعْ ما لاَ يُباعُ،
ولاَ تُجِرْ ما لاَ يُجارُ ...
هُنا الْجِدارُ ..
تَرَكْتُ عُنوانِي عليهِ، وصُورَتِي ...
وقَصائِدًا مَهْجُورةً لمْ يَنْتَبِهْ أَحدٌ لَها ..
وتَرَكْتُ قَلْبِي نائِمًا مِثْلَ الْفَراشَةِ فوقَ كَفِّ النَّارِ،
صَارَ الآنَ لِي بَيْتٌ ودَرْبٌ للرُّجُوعِ،
وصارَ لِي، إِنْ ضَاقَ صَدْرٌ للْغَرِيبِ بِدَمْعَتِي ...
أَهْلٌ وَ جَارُ ..
أَنا الَّذي فَوَّتُّ منذُ طُفُولَتِي كُلَّ الْقِطارَاتِ الَّتِي ...
مرَّتْ سَرِيعًا كالسَّحابِ ولَمْ تَعُدْ ...
لمْ يَبْقَ لِي إِلاَّ الْجِدارُ،
أَنامُ أَوْ أَصْحُو علَيْهِ كَنبْتَةِ الْعُلَّيْقِ تحلُمُ بالسَّفَرْ


هذَا الْجِدارُ !!